مقالات

الشمعة السابعة

الشمعة السابعة
الشمعة السابعة

الشمعة السابعة

الشمعة السابعة
الشمعة السابعة

أنا..

أُشبهُ أُغنيةَ الحُزنِ الذي تسيلُ لهُ ذرَّاتُ الوَجَعِ الخَانقْ

وَرِثْتُ رُؤىً غيرُ مرئيةْ،

وعينينِ سائلتينِ،

يلفُّهمَا الألمُ قبلَ أنْ يأتيني الخبرُ من شفتـيَّ الباردتينْ

ولأنَّ القلق القاسي الّذي حُفِرَ عميقًا في خلاياي؛

يحرقُني،

يئنُّ بدَاخِلي

يطفُو كمَجرَّةٍ تصرخُ في حُنْجُرَتي؛

سأُطفئُ معِي

الشَّمعةَ السّابعة!

لا شكّ في أنّ الولادةَ مرّتين حدثٌ لا يتكرّرُ كثيرًا في حياةِ الإنسان، خاصّةً إذا أتاحتِ الحياةُ لهُ سلسلةً من الإنجازاتِ الّتي تجعلُ عيشَه مقبولًا، والمكوث في أزقّتها، وشوارعها، وبيوتها، ومقاهيها، نُسخةً بديعةً من الفَرحِ الّذي يقلُّ وجوده في حياتنا الّتي باتت تُشبه المُستنقعاتِ وآبار المجاري.

         هل هناك حقيقةٌ مُجرّدةٌ عن السّعادةِ؟ هل يُعدُّ الاقترابُ من الموتِ وسيلةً جيّدةً لفهم نُبل الحياةِ أو غَدرها؟

         في سنة 2008، الثّالث من شهر يناير يوم الخميس في السّاعة الثّانية ظهرًا، كنتُ في صَنعاء في اليمن مُتوجًّها إلى مدينة ذَمار، حيثُ كان أهل زوجتي يسكنونَ هناك، استصحبتُ زوجتي في السّيارة، كانت في الشّهر الرّابع من حَملها. توجّهتُ إلى ذَمار لسببين، الأوّل: كان لديّ عملٌ مع صديقي المُهندس/ محمّد العنسي، واتّفقنا أن نلتقي هناك عصرًا. السّببُ الآخر: لأخذ ولدي –الوحيد وقتئذٍ- رامي من بيتِ جدّه.

         في هذا اليوم، كانَ كلّ شيءٍ يبدو باهتًا، شيءٌ في داخلي يمنعُني من السّفر، شيءٌ ينزعُ النّفسَ ويسحبُها إلى الوراءِ مُمزّقة، تصَادمتْ في داخلي رغباتٌ عِدّة، ما بين البَقاء أو السّفر؛ إلّا أنّ الالتزام بالموعدِ طرحَ أرضًا كلّ مشاعري وإحساسي بأنّ هناك شيئًا غير مضبوطٍ في هذه الرّحلة! الآن، بتُّ أُصدّقُ الحاسّة السّادسة!

         أكثرُ ما يُزعجني من الأسئلة: كيف صار الحادثُ؟ أكنتَ تقود بسرعة؟ هل انفجر إطار السّيارة؟ وأسئلة غرضها النّهائي هو إظهار مَعصيتي، وعدم تقيّدي بشروط السّلامة، المُهمّ أن أكون أخطأتُ في شيءٍ ما. رُبّما أخطأتُ، ربّما قصّرتُ في حقِّ نفسي وحقّ من مَعي؛ إلّا أنّها تظلُّ ذِكرى سيّئة، صحيحٌ أنّني تجاوزتُ أثرها اليوم؛ ولكنّها تظلُّ أحداثًا كئيبة.

         كيف صار الحادث؟ حسنًا، سأجيبُ عن هذا السّؤال الّذي يمرُّ برأسِ كلّ من يَراني.

         حينَ أستعرضُ الماضي، لا أجدُ غيرَ خُطىً سيّئةً مرّت في حياتي ولا يوجدُ ما يسوّغها، لا أُنكرُ أنّني في السّتة أشهر الّتي سَبقت الحادث حققتُ ما لم أُحقّقهُ في سنواتٍ عديدةٍ؛ إلّا أنّ الضّريبةَ مُوجعة.

         في مُنتصفِ سنة 2007، نشرتُ الطّبعة الثّانية من ديواني الأوّل «حَبيبتي تفتحُ بستانها» في دار عبادي للدّراسات والنّشر. ذلك الكتابُ الّذي في سنة 2005 اعترضت دار النّشر نفسها على عنوانه حين كان «فُستانها» بدلًا من «بُستانها»، وإزاء هذا الاعتراض والتّلميح بعدم طباعته، استبدلتُ حرف (الباء) بحرف (الفاء)، معَ أنّ هذا الاسم اخترتهُ أيّام الجامعة، وامتزجَ بفكري فلم أعدْ أتصوّر سواه؛ ولكن لا بأس، المُهمّ أن يظهرَ الكتاب. كم كان وجه النّاشر وقتئذٍ مُثيرًا، حينَ أُسقطَ في يَدهِ، ولم يجد عذرًا جديدًا لعدم طباعة الكتاب الّذي أخبرني أنّهُ لن ينشره حتّى بعد تغيير العنوان! لماذا يا سيّدي النّاشر؟ «لأنّني أخشى أن تُغلقَ وَزارة الثّقافة دار النّشر». كلامٌ عجيبٌ، كيف يُمكن لكتابٍ لا علاقة لهُ بالدّين أو السّياسة أو الجنس، مُجرّد كتاب شعرٍ مُتواضعٍ لن يقرؤه أحد ولن يلتفتْ إليه إنسان، أن يكون سببًا في إغلاق دار نشر؟! حتّى وإن حوى بعض الجُرأةِ الشّعريّة في نصٍّ أو اثنين؟ هذا الكتابُ هو نفسه الّذي اعتذرَ منهُ الدّكتور: حاتم الصّكر، بعد أن أخلفَ وعده مَعي، حين التزمَ بكتابةِ مُقدّمةٍ أو كَلمةٍ عنه، وكان اعتذارهُ بمنزلةِ الكارثة؛ لأنّه ناقدٌ كبيرٌ، والحقُّ أنّ اسمهُ وحدهُ جعلَ دار النّشر –وقتئذٍ- تُقرّر نشر الكتاب من دون قراءتهِ عندما عَلمتْ أنّهُ من سيكتب المُقدّمة، فبعد اعتذارهِ شكّت دار النّشر بمُحتوى الكتاب، وعندئذٍ بدأت بالتّضييق عليّ، مرّة بعدم مُناسبة العنوان ومرّة بطلبِ حذف نصوصٍ مُعيّنة إلى غير ذلك من الأعذار الّتي يُفهم منها أنّها ترفض نشر الكتاب؛ لكن بذوق!

موضوع مُميّز: [الشّمعة السّادسة].

         لم أعرفْ وقتئذٍ أأفرحُ أم أحزن؟ لأنّ اعتذار دار النّشر واعتذار الصّكر صوّر لي في لحظةِ خيالٍ طائشة، أنّني: نزار قبّاني، أو أحمد مطر، صورَ لي أنّني من المُثيرين للجدل، خاصّةً وأنّ بعض الصّحف والمجلّات الأدبيّة المحليّة اعتذرت أكثر من مرّة مِن نشر بعض نصوصي الّتي أرسلتُها إليهم والسّبب: أنّها تُثيرُ حياء المُجتمع! ذلك السّببُ الّذي ظننتُ أنّهُ وبعد نزار أصبح لدى المُجتمع ما يكفي من الشّجاعةِ لمُواجهة وخز الكلمات ببرودٍ. على أيّ حال، لأنّني رجلُ أفعالٍ لا أقوال، ولا يُمكن أن أنخدعَ بهذا الوهم النّرجسي الّذي صُوِّرَ لي في خيالي، والّذي يُصيبُ المُبتدئين عادةً والهُواة، أزحتهُ جانبًا، ولبسني عناد الكتاب، فطبعتُ الكتابَ في طبعته الأولى عند مطبعةٍ تطبعُ أيّ شيء على ورق.

         في سنة 2007 عُدتُ إلى دار النّشر نفسها لأُثبتَ لها حقيقةً واحدة: أنّ الكتابَ طُبِعَ ووُزِّعَ، وما زال العالمُ كما هو، لم يضلّ طريقهُ بعد كتابي، لم تنهار قِيَمهُ، ولم يذهبْ إلى غرفة العناية المُركّزة جرّاء قراءته نصوصي المُتواضعة، وبهذا أكون أثبتُّ لها خديعة التّأويل، وسوء تقديرها للأمور، وأثبتُّ لنفسي أنّ وراء كلّ دار نشرٍ شخصٌ مُعتدٌّ برأيه لا يحيد عنه وإن كان خاطئًا. من الأشياء الّتي دَعمت موقفي واقنعتِ الدّار بتولّي طباعة الطّبعة الثّانية هو وجود اسم الدّكتور عبد العزيز المقالح، الّذي كتبَ لي كلمةً جميلةً عن الكتاب الّذي اعتقدتُ في نفسي أنّهُ لن يقرؤه، وإنّما سيكتبُ أيّ كلمةٍ من بابِ المُجاملة والتّشجيع؛ إلّا أنّني بعد أن قرأتُ كلمتهُ تأكّد لي أنّهُ قرأ الكتابَ وبمتعّن أيضًا.

         قبل نشر الطّبعة الثّانية، ظهرت مُسابقة «أمير الشّعراء»، ومع ثقتي وقتئذٍ أنّ المُسابقة أكبر منّي؛ إلّا أنّني بعثتُ إليهم بنصِّ مُتواضعٍ «اللّيلُ وعيناكِ»، ويا لدهشتي! قُبِلَ النّص العَادي، وطلبوا صورةً من جواز سفري لإنهاء إجراءاتِ السّفر، سافرتُ يومَ الثّلاثاء وعُدتُ الخميس بعد أنّ رفضت اللّجنة إجازة النّص. كان معي في الرّحلة أحد الشّعراء اليمنيّين الّذي تخونني ذاكرتي –الآن- لتذكّر اسمه، خاصّة وأنّنا لم نلتقِ بعد ذلك قط. في أبو ظبي تعرّفنا إلى الأستاذ إبراهيم حلّوش من السّعوديّة، وعلِمتُ أنّ صديقي المُهندس عمّار التّميمي –من العراق- كان هناك أيضًا، إضافةً إلى أستاذنا جميعًا وأمير الشّعراء الحقيقي أحمد بخيت. جميعنا عُدنا، بخيت لأسباب تتعلّق بالمُسابقة نفسها، أمّا بقيّتنا عُدنا على أمل تكرار التّجربة في دورتها الثّانية. مَنعني الحادثُ من تكرارها ولا أعلم عن أصدقائي.

         كانت تلك الثّلاثة أيّام كافية لإعادة النّظر في تجربتي الشّعريّة وتطويرها على وجهٍ كبيرٍ، ثلاثةُ أيّامٍ رأيتُ فيها شُعراء مُبرّزين، وأرَتني كم أنا صغيرٌ بينهم، وأنّني أحتاجُ إلى مزيدٍ من الجُهدِ وبذل الطّاقة والاهتمام والالتزام ليُمكنني مجاراتهم يومًا ما، وما زلتُ حتّى هذه اللّحظة أُطوّرُ تجربتي الشّعريّة وأجرّبُ الكتابةِ بأنواعها انطلاقًا من قناعاتي الشّخصيّة من دون الالتفاتِ إلى العائدِ والسّائد. المُهمّ أنّ تجربة أمير الشّعراء تجربة كُبرى في حياتي، منحتني الفرصة لإثبات وجودي، فليس من السّهل أن تكون ضمن مئتي شاعرٍ من أصل أكثر من خمسة آلاف مُتقدّم.

         بعد نشرِ الطّبعةِ الثّانية، وفي رمضان 2007، حين كانت أختي مُذيعة في قناة الفضائيّة اليمنيّة، أخبرتني عن حلقةٍ تُعدِّها عن الشّعرِ والشّعراء، وسألتني إذا ودِدتُ المُشاركة، بالتّأكيد لا محلّ لسؤالها من الإعراب! فورًا رحّبتُ بالفكرة، وتمّ اللّقاء، وظهرتُ لأوّل مرّةٍ في التّلفزيون، صدّقوني، لم أكن خائفًا، لا أذكر أنّني سمعتُ دقّات قلبي وكأنّني مُعتادٌ على هذا الأمر. الميزة الجيّدة حين تكون شقيقتك هي مُقدّمة البرنامج، أنّها منحتني وقتًا أطول من الآخرين، وهذه هي الوساطة الحقيقيّة.

         في تلك الأثناء عرفتُ وزوجتي أنّنا سنُرزق بطفلٍ جديدٍ؛ ولأنّ جيناتي ذكوريّة، قرّرنا اسمه قبل أن نعرفَ جنسه: مازن، وهو أحد الأسماء الّتي أحبُّها، وأحبُّ: وليد، وأسامة أيضًا. أمّا رامي، فهو اسم أخي الأصغر.

         في أقلّ من ستّة أشهر أهداني القدرُ هداياه المذكورة آنفًا، أربعُ هدايا تتالت، قرّبتني من النّجوم، حمَلتني فوق قوس قُزحٍ لأتذوّق طعم النّجاح، علّمتني معنى أن تُحقّق طموحك، أن تُنجزَ شيئًا في حياتك، أن تصنعَ مجدَك الشّخصي ويكون لك قيمةً. لا تُصدقّوا أنّ الكواكبَ بعيدةٌ وأنّ الحياةَ تُحافظُ على حياديّتها، ففيها كثيرٌ من زُرقةِ الأمل، وما دام هناك نبضةٌ واحدةٌ في جسدِ كلِّ منّا؛ يظلُّ بابُ السّماءِ مفتوحًا، فحينَ يُريدُ اللهُ أن يُهديك طريقًا جميلًا، لا أحد يستطيع أن يمنعه، أو أن يعترض، أو أن يدّعي أنّك لا تستحق، كلّ البشر لا قيمة لهم إزاء إرادة الله، وآراؤهم عنك لا يُعتدُّ بها؛ لذلك تعلّمتُ أنّ أبتسم لمن ينتقدني سلبًا فلا قيمة لرأيٍّ يُخالف قناعاتي ومَشيئة الله.

يُتبع…

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات