قصائدي وأشعاري

الصدمة الشعورية في نص (إفضاء) قراءة تأملية فاحصة

 

الصدمةُ الشعورية في نصِّ ” إفضاء ” قراءة تأمليَّةً فاحصة

النَّص:

إفضَاءْ

 

لسْتُ الضَّميرَ لكيْ أُؤنبْ ..

لسْتُ الضَّميرَ لكيْ أُؤنبْ !!

ما ذَنبُهَا ؟!

أرختْ عِنَانَ حِصَانِها …

وغدا الصَّهيلُ دِثَارَها بعدَ الخُشُوعْ

واستبدلتْ ..

هَذي الفتاةُ قِناعَهَا

وتخاذَلتْ ..

حتَّى الخنُوعْ

أينَ الحَيَاءُ …. الصَّمتُ ، أينَ سُكُونُهَا

إغفاءة الرِّمشِ الجَزوعْ

والرِّيحُ هبَّتْ ..

منْ أقاصي المَكرِ – أشبَاهِ الرِّجَالْ –

الغَدْرُ والـْ ……. إمْعَانُ في نصْبِ الشِّرَاكْ

والرِّيحُ هَبَّتْ ..

أحنَتِ القامَاتِ والأحْجَارَ ،

أحنَتْ ..

كلَّ أصلابِ الجذوعْ

لكنَّنِي ،

لمَّا أظُنُّ يُميدُهَا هَبُّ الرِّياحْ

لكنَّها مَادتْ ..

وأفضَتْ للرُّكوعْ .!!

الصدمة الشعوريةفي نصِّ ” إفضاء ” قراءة تأمليَّةً فاحصة

عطاف سالم

يبدو النَّص لوحةً صوريةً تنداحُ من جنباتها أصوات كثيرة مختلطة، وهو يمثِّلُ حكاية مثيرة عبّ بها الزمن كبقية الحكايات , ويبدو من العنوان أنه قصَّة إفضاء عبّ بها ضمير الشاعر فانداح منه تساؤل يمثل حبكة النَّص ..

ما ذنبها؟

والشاعرُ وهو يؤخر هذا التساؤل ويقدم لنا عبارة واحدة مكررة هي قوله “لست الضمير لكي يؤنب” ! يبعث في نفس المتلقي الكثير من التوقِ والكثير من التشوق عن سرِّ هذا العبارة وسرِّ تكرارها من بعد , ولو أنَّهُ بدا بالتساؤل لما بعث هذا الشعور في نفس المتلقي , لأنَّ في التقديم وفي التأخير سر بلاغي من أسرارِ المعاني ..

لكن يبقى التساؤل الذي تدور حوله محاور النَّص مثار عجبٍ لدى المتأمل لسرد هذه الحكاية الشعرية ..

أبعد كل ما سردهُ الشاعر يحق لهُ أن يطرح هذا التساؤل ؟!

ربما تكون له وجهة نظرٍ أخرى تنساب تعاطفاً مع بطلةِ النَّص – إن صحَّ التعبير – !

ثم يتكىء الشاعر على ” أعمدةٍ ” صورية يرتفع بها الشعور إلى أعلى

حيث تبدو البطلة وكأنَّها حصان قوة وإباء ورفعة وأصالة وكرامة وشموخاً ثمَّ شيئاً فشيئاً تُرخي عنان كل تلك المزايا والمواصفات الشّماء إلى الأسفل ..حيث ” أرخت ” !

هذه اللفظة التي تعكس التّدرج الشعوري والتنازل .. ثم ماذا ؟!

تقفزُ إلينا صورة شعرية أخرى تنسجم تمام
الانسجام مع الصورة الأولى , بل هي من لوازمها ..

فبعد صمت وهمس إلى درجةِ السكينة والخشوع هبّ الصهيل دثارا!

أرختْ عِنَانَ حِصَانِها …

وغدا الصَّهيلُ دِثَارَها بعدَ الخُشُوعْ

والمعروف عند العرب أنَّ الشعار ما لامس الجلد والدثار ما علاه , وكأنَّ الصهيل الرامز إلى صوتِ الإباء والكرامة وصوت الصد الرافض لكل ما ينتهك هذه الكرامة بدأ يتراجع إلى الخلفِ .. بدأ مجرد صوت داخلي فقط يستنجد حيث لاستنجاد , ويرتفع حيث لا خروج ولا اعتلاء أو مخرج ..

وارتباط الصهيل بالدثار يعكس هذا الشعور بقوة , ويبدو أنَّه أمرٌ طبعي مترتب تالياً على معنى الشعور بالخشية المتدفق في كاملِ أروقةِ الروح .. ومن ثمَّ ماذا ؟!

واستبدلتْ .. هَذي الفتاةُ قِناعَهَا

وتخاذَلتْ .. حتَّى الخنُوعْ

مقطع يقدم لنا بقية سلسلة المشهد حيث تقفز ” الواو ” العاطفة فاضحة وكاشفة صورة مخزية ومؤلمة في نفسِ الوقت ..

واستبدلت هذي الفتاة قناعها ..

وكأنَّ الشاعر يُوحي أنَّ هذه الفتاة قد استبدلت قناعها بإرادتها غير أنَّ هذا الشعور الحقيقة غير مقنع لأنَّهُ غير منسجم مع سؤاله ” ماذنبها؟ ” ومع ” الصهيل ” إلاَّ أنْ تكون فتاةً مخادعةً ومنْ ثمَّ يجد لها الشاعر مسوغاً بهذا السؤال الذي يُطرح ..!!

وتمثل هذه العبارة المتأخرة ” واستبدلتْ .. هَذي الفتاةُ قِناعَهَا ” مرحلة منفصلة بذاتها وقائمة في المنتصفِ بين صورتين كبيرتين :

الأولى هي بداية التراخي ..!

والثاني نهاية التراخي وهو الخضوع ومن ثمَّ السقوط ..!

وتخاذلت .. وتمتد ” الواو” مُكملة بقيَّة المشهد وبقيَّة الصورة الثانية , ويترك الشاعر مساحة ترمز لطول هذا التخاذل ويترك للمتلقي عنان التخيل لصور هذه التخاذل ” بوضع تلك النقاط ” حتَّى يضع نهاية لذلك بـــ ” حتَّى ” ثمَّ تقفز النهاية بعدها ..

النهاية المخيفة والمحزنة وهو ” الخنوع ” الذي هو الاستسلام النهائي دون أي قدرة أو قوة على المواجهةِ بصفةٍ مستمرةٍ ودائمة ..

ثم يبرز سؤالٌ كبيرٌ أيضاً :

أينَ الحَيَاءُ …. الصَّمتُ ، أينَ سُكُونُهَا

اغفَاءةُ الرِّمشِ الجَزوعْ ..

وهذا سؤالٌ يمثل عندي النقيض مع السؤال الأول ” ماذنبها ” !!

وربَّما هو يعكس حالة الصدمة التي يعيشها الشاعر والتي تبرز في نهايةِ النَّص بشكلٍ واضح حيث ” الإفضاء ” إلى الشعور بالأسى والحسرة والسقوط في اليد دون ذنبٍ ودون إرادةٍ وكذا الشعور بالحنقِ والخيبةِ في انهيارِ بطىء .. كما سيأتي !

وبين السؤال المندهشُ بذاتهِ تتراخى المسافة حيثُ الصَّمت الذي يبدو منقطعاً تماماً عن دلالةِ الحياء .. لأنَّه جاء متأخراً يحمل معنى التعجب من ذهابِ الحياء … على حياءٍ بغير حياء!

وهو الأقرب إلى المعنى كما يبدو والتقدير ” إنه الصمت !” وربما يحمل معنى الحياء ذاته بهذا الانقطاع الذي هو شبيه كمال الاتصال .. ويردفه الشاعر بسؤال آخر :

أين سكونها ؟؟

ثم يأتي الجواب بغتة ..!

إغفاءة الرمش الجزوع ..!

هو إغفاء على إكراهٍ بدلالة ” الجزوع ”

والرِّيحُ هبَّتْ .. منْ أقاصي المَكرِ – أشبَاهِ الرِّجَالْ –

الغَدْرُ والـْ ……. إمْعَانُ في نصْبِ الشِّرَاكْ

وفي سكونِ الإغفاء والحياء الــ ” بلا حياء ” تزأرُ ريح شر تهب من أقاصي المكر والغدر والإمعان في نصب الشراك ..

هذا النصب الذي يوحي بالمسارعةِ وقوة السلب في خسَّةٍ من ” أشباه رجال ” ولو نكّر الشاعر المضاف إليه لأعطى للمعنى قوةً وعمقاً يفسِّر ذلك المعنى الذي حملته تلك الرياح ..! ولكان هذا التنكير أولى بمن تلك صفاتهم وألصق وأجدر ..

والرِّيحُ هَبَّتْ ..

وتستمرُ تلك الريح الهائجة .. ووقوف الشاعر عندها قبل أن يكمل بقيَّة النَّص يوحي بغضبتها الأخيرة عبر ” الواو” العاطفة ” وعبر دلالة ” التعبير بالزمن الماضي ” ويلمِّحُ في نفس الوقت إلى أنَّها توقَّفت فجأةً بعد أن ….

أحنَتِ القامَاتِ والأحْجَارِ ،

أحنَتْ .. كلَّ أصلابِ الجذوعْ

وهذه رمزية كبيرة وواضحة يختبيء خلفها تلك المرأة وأشباه الرجال …. حيث انحناء الأصل الذي هو الطبع وما يتفرَّعُ عنه من سلوكياتٍ تبدو هامشية من وجهةِ نظرهم ..غير أنَّها امتداد وتفرُّع عن العنصرِ ” الأصل ” !

وهي رمزية للنفس البشرية الضعيفة التي تنكسر كل مفردات قيمها وقيمة مفردات كلِّ فضيلة فيها أمام أهواء وشهوات عابرة ..

وفي هذا مشابهة رائعة وبديعة من الشاعر في الربط بين عناصر التشبيه دون الحاجة إلى أداة شبه تُقرّر المعنى وتؤكده ..

ومن ثم يستفيق الشاعر من هول وآثار ما خلَّفتهُ تلك الريح ويلتفت إلى نفسهِ بعد أن تجرَّد منها هروباً واتهاماً لها وربَّما شكّا في ظنِّها في أولِ النَّص لغايةٍ في نفسهِ – لعلَّهُ التماس العذر لتلك الفتاة الحبيبة – فإذا هو في حديثٍ نفسي ملؤه الحسرة والألم والشعور بالخيبةِ والإحباط في صدمةٍ نفسيةٍ عنيفةٍ أفضت بهِ إلى هذا الاستدراك الذي له ما بعده من بعد ..

لكنَّنِي ،

لمَّا أظُنُّ يُميدُهَا هَبُّ الرِّياحْ

هنا في هذا التعبير المتراخي تأثراً وتوجعاً الذي ربَّما يعكسه التفخيم في دلالة ” لمّا ” وهو في نفسِ الوقت يشيرُ إلى أنَّ الشاعر وكأنَّه يستجر الحقيقة جراً ليؤمن بها , ثم مع ذلك يتبعها قوله ” أظن ” الذي كسر حدته قوله ” يميدها ” , وكأنَّ الشاعر في صراعٍ نفسي بين مصدِّقٍ ومُكذِّب لما قد عرفهُ وتسللت إليه حقيقته .. وإلا فإنَّه كان من الأجدرٍ مثلاً والأمثل عن التعبير عن معنى التعاطف هو أنَّه يستخدم لفظة أقل حدة وأقل قوة وشدة دلالية غير كلمة ” يميدها ” رغم ما تحمله أحرفها من رقَّة !

لكنَّها مَادتْ ..

وأفضَتْ للركوع

والخط المتوازي بين ” لكنَّني ” و ” لكنَّها ” انعكاس لحسِّ الحنين الجاري التائه بينه وبينها غير أنَّ قوة الشعور بالخيبةِ والحسرةِ والندم كان هو الشعور الغالب …

وفي مقابل ” يميدها ” مع ” وأفضت ” تناسب دلالي كبير جداً , إذْ رغم رقة أحرف اللفظتين لكنهما يحملان قوة معنىً يضخُّ بالتأسفِ والتّحسر والشعور بالصدمةِ في موطن الثقةِ الحقَّة !

وكان انحناءً بدا للشاعر في أولِ الأمر أنَّهُ خارج عن الإرادة وعلى جهةِ الجبر إنَّما خابت كل ظنونهِ وتكشَّفَ له ما لم يكن يحتسبهُ أو يتوقعهُ ..

والنَّص لوحة إنسانية جد مؤثرة . استطاع الشاعر اقتناصها ونقلها لنا وكأنَّها صورة حية تشخص أمامنا..

بدت وكأنَّ الشاعر يستجمع خطوات الزيغ خطوة خطوة , والتفاتة التفاتة .. يُركِّـبُها شعوراً وشعراً ثم ألقاها في وصفٍ بليغٍ مقتضب .

بدت بقوله :

أرختْ عِنَانَ حِصَانِها …

وغدا الصَّهيلُ دِثَارَها بعدَ الخُشُوعْ

حيث هذه الصورة التي اقتنصها لتعبِّر في نفسِ الوقتِ عن الجموح بعد طول رباط

حتى انتهى إلى قوله :

لمَّا أظُنُّ يُميدُهَا هَبُّ الرِّياحْ

لكنَّها مَادتْ ..

وأفضَتْ للرُّكوعْ .!!

والمتأمل لقوله ( لمَّا ) يجد مقدار ثقتهِ المحكمة في نفسهِ تجاه المخاطبة ……….. لكنَّها خانتهُ .

ومن الهام جداً الحقيقة ملاحظة هذا التلازم الواضح والتوافق الجَّم بين عنوان النَّص وبين مضمونهِ , وكأنَّ العنوان يمثل ثوب النَّص وجسدهِ في آنٍ واحد ..

وهذا من التوفيق الذي يحصل لأيِّ مبدعٍ لئن يقع على عنوانٍ مناسبٍ وملائم يمثِّلُ المضمون كله بكلمةٍ واحدةٍ تعكسُ الحسَّ الشعوري والتجربة ال

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • نعم أخي صلاح،
    أقِّدر رأيكَ كثيراً.. فهو يدلُّ على تمعنكَ في هذا التحليل..
    وهذا يُسعدني ويجعلني ممتناً لكَ هذا الحضور الوارف.

    الحقيقة، أنا أيضاً أميل إلى تحليل الأستاذة عطاف سالم، ولكنِّي أعترف أنَّ اختلاف النظرة من قارئ لآخر، أدخل البهجة إلى قلبي.

    شكراً لكَ صديقي.

  • المهندس / صلاح العليمي

    في إعتقادي أن تحليل الأستاذة عطاف وتفكيكها للنص بهذه الطريقة الجميلة هي أقرب مايكون الى ماأردت أن يرمي اليه الشاعر أيضاً ناهيك عن عنوان القصيدة ذاته – فالنص جميل بكل مافيه من تناقضات تطرقت اليها الأستاذة عطاف … وهذا بوجهة نظري أعطى النص جمالاً فوق جماله وجعل القارئ لايكاد ينتهي من البيت حتى يعود اليه ثانيةً وهكذا حتى تنتهي القصيدة ..!!

  • وعليكم السَّلام..
    Areen
    لا تعتمدي كثيراً على تحليل الأستاذة عطاف، لا لأنَّ القراءة ليست جيِّدة، بل هي من أجملِ القراءاتِ التي قُدِّمت لي،
    ولكن لأنَّ هناكَ من رأى عكس ما ذكرت..
    لذا يبقى لكلِّ ناقدٍ رأيهُ الخاص.. وهذا يُسعدني، لأنَّهُ يعني أنَّ النَّص يمتلك تأويلاتٍ عديدة..

    السؤال!
    هل أنا مع الأستاذة عطاف في تحليلها لنصِّي أم مع الرأي الآخر؟
    عندما ستنهين القصيدة القصيرة.. سيتبادر إليكِ سؤالاً كما أشرتي في ردِّكِ..
    هل هذهِ الأنثى مذنبة أم بريئة؟ هل أدافعُ عنها أم أحكم عليها؟ هل أُدينها أم ألتمسُ لها العذر؟ هل هي أنثى حقيقية أم حادثة في خيالي؟

    لذا دعيني أتركُ للقارئ محاولة اكتشاف ذلك.

  • Areen

    سلااااام
    اول مره قريت هذه القصيده لم اعرف ما الفكره الرئيسيه فيها
    هل هو يمدح المرأه ام يذمها؟
    اما الان فهمت ما المقصود منها
    شكرا كثيرا للسيده الرائعه عطاف سالم على شرحها الرائع
    واتمنى ان تستمر
    سلام

  • أخي صلاح،
    كيفَ حالكَ أولاً؟
    فاجأتني زيارتكَ ولكنَّها مفاجأة جميلة..

    سعيدٌ أن تروقَ لكَ كتاباتي، وللأسف لم تكن هناكَ من فرصةٍ لإهدائكَ نسخةً من الديوان،
    مع علمي واقتناعي أنَّ مصيرهُ سيكون داخل الدرجِ أو في أحسنِ الأحوال، على رفِّ مكتبتكَ!
    ولكن هل عندكَ مكتبة؟! –)

    ابتسامتي الماكرة، ما زالت تلمعُ أمام الماكرين والخبثاء، فإن لم تكن ذئباً أكلتكَ النعاج!

    شكراً لدعوتكَ لي..
    وسأنتظرُ زيارتكَ بين الحين والحين… ولو بصمت!

  • المهندس / صلاح العليمي

    جميلة هي كتاباتك عزيزي محمود جميلة هي مشاعرك , أحاسيسك , كل شئ فيك جميل بجمال روحك .. كم أفتقد ضحكاتك وأبتساماتك الماكرة , كم أفتقدك .. (( بكل الحب)) أتمنى لك الشفاء التام .. أخلص الأماني

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات