مقالات

القارئ والغموض الشعري

القارئُ والغموضُ الشِّعري

التَّأويلُ؛ بحسبِ –دريدا– “يُنتج معانٍ لا حصرَ لها”.

والتَّأويلُ: “تفسيرُ النَّص، وبحث معناه، وتخريج قواعده، وترجمتها إلى لُغةٍ ثانية، وثالثة“.

هُناك قراءتان للنَّصِّ: قراءةٌ ساذجة، وقراءةٌ مُركَّبة.

يقولُ (هيرش): “أنَّ القراءةَ فنٌّ يخضعُ لموهبةِ الفرد ولتجربتهِ وثقافتهِ. ولكن إذا كانت القراءة ترتبطُ بالحدسِ؛ فإنَّ الحدسَ يخضعُ للعواملِ الفردية“. النَّصُ فضاءٌ مفتوح، يخلقُ علاقةً تبادلية بينهُ وبين القارئ. فهناكَ من يطمئنُّ إلى قراءتهِ الأولى للنَّص مُكتفيًا بما وصل إليهِ من فهمٍ ومعتقدات، وهناكَ قراءةٌ واعية؛ تغوصُ في تركيبةِ النَّصِّ، وتسبحُ في طيَّاتهِ حتَّى تُعرِّيه، أو تقترب من لمسِ شاطئه.

ويقول (الويار): “إنَّ الكلمة لا تُعبِّر مُطلقًا عن غرضها تعبيرًا كاملًا، بل تقتصر على إعطاء فكرة عنه، وعلى عرضهِ باختصار“. هو سيفُ الدَّهشة الذي يُقطِّعنا قبل أن نُرتِّب الفقرة الشِّعرية -وما تحويها من عباراتٍ وكلماتٍ- ترتيبًا طبيعيًا أو عاديًا. فنحنُ دائمًا نتعلَّقُ بما ليس متوقَّعًا. ربَّما قليلون من يعرفون مُعاناة الشَّاعر، فالشَّاعرُ عندما يوشكُ

على قولِ شيءٍ ما، فهو يختبر جميع العبارات والكلمات المُناسبة لما يُريد كتابته. ودائمًا يجد فيما يكتب، ما لا يُحقِّق التَّعبير المنشود، كأنَّ يكون التَّعبيرُ ضعيفًا، أو محشوًا بما يُمكنُ الاستغناء عنه، أو لا يُناسب الشَّكل الذي يريده. فنراه في رحلةِ بحثٍ وقراءةٍ ليستطيع أن يُفرِّغَ ما يُريد قوله في قالبٍ يُرضيه. فالكلماتُ التي كانت تبثقهُ من الدَّاخل وتخرجُ تلقائيًا دون وعي، أو ترتيب، أو تنسيق، ودون أن يُفكِّرَ فيها؛ أصبح من الواجبِ عليه الآن أن يُدققَّ جيِّدًا، ويراقب، ويُقلب من كلِّ زاويةٍ، حتَّى يقتنع تمامًا، بأنَّهُ توصَّل إلى الاستخدام الدَّقيق للكلمة، بحيث لا تخسر معناها. وهذا يقودنا إلى الإرتفاع باللغةِ، لتدخلَ دائرة الضَّوء من جديد.

لذلك فإنَّ الشَّاعر لا يفترض أو يتخيَّل –في جميع الأحوال- قارئًا ما؛ ليُعبِّر عن مستوى فهمهِ؛ لأنَّ الثَّقافة، والتَّطور الفكري، والتجارب الإنسانية، لا تتشابه. بل إنَّني أكادُ أُجزمُ أنَّ الشَّاعرَ الذي يفترضُ نوعيَّةً معيَّنةً من القرَّاء، ليحدِّدَ لنفسه الطَّريق أو الأسلوب الذي سيكتب بهِ -من أجلهم فقط- هو شاعرٌ ضعيف. فلا يُمكنهُ كشاعرٍ؛ أن يُقرِّرَ من الذي سوف يقرأه. الشَّاعرُ المجيد يُحاولُ أن يكتبَ بشخصيتهِ هو، لا بشخصيةِ قارئٍ أو جمهورٍ مُعيِّن. أي لن يفترض أبدًا نوعيَّة المُتلقِّين، وإلَّا حكم على نصوصهِ بالإعدام. فلا يُمكنهُ أن يُفصِّلَ كتاباته على أمزجتهم، أو أن يمتنع عن استخدام الرَّمز أو تطعيم نصوصهِ ببعضِ الغموضِ اللذيذ، خشية أن يُتَّهم بالسِّريالية، أو أنَّهُ من جماعةِ من يقطعون صلتهم بالقارئ والنَّص. هو فقط يكتُب. لا يلتفتُ بشكلٍ جذري إلى ثقافةِ القارئ؛ وهذا لا يعني عدم الاهتمام به. ولكن لأنَّهُ يُدرك جيِّدًا أنَّ القرَّاء لن يتناولوا نصَّهُ بنفسِ الدَّرجةِ من الفهم والإعجاب. ويعلمُ جيِّدًا أنَّ المُتلقي هو الحكم، فبإمكانهِ التَّفريق بين الكلام الفوضوي، وبين الكلام المتين.

الكسلُ الفكري، علَّة المُتلقي العربي؛ هو ما يجعلنا نُكرِّرُ بعض الافتراضات غير الصَّحيحة. فالقارئُ لا يريد أن يُجهد عقلهُ في فهمِ ما يقرأ، يريد أن يتعامل بقانون (بذل الجهد الأدنى). يريد أن يصلهُ المعنى بكلِّ بساطةٍ ووضوحٍ وربَّما ببعض السذاجة! والشَّاعر هو الضَّحية، فإن كتبَ كما يكتبُ أبو تمام أو أدونيس، اتُّهم بأنَّهُ شاعرٌ غامض وغير مفهوم. وإن كتب بتسطيحٍ، ليصبح الوصف لديهِ تافهًا، صورٌ تتراكمُ فوق بعضها، تتجمَّعُ كصندوقِ تبرُّعات، وما عليهِ سوى اختيار ما يشاء منها، جُرِّدت منه الشاعرية. لأنَّها لا تفتح شهية المُتلقِّي. والنَّتيجة؛ غزارة الإنتاج الشِّعري ووفرته. ليتغلَّب الكمُّ على الكيف. فأين الخلل؟ من يسحب من؟ هل الشَّاعر يرتفع بالقارئ إلى مستوى النَّص؟ أم على الشَّاعر أن ينزل إلى مستوى القارئ الفكري؟

الشَّاعرُ الحقيقي؛ يقضي نصفَ عمره يطوِّر أدواته الشِّعرية، فلا يُمكنهُ أن يظلَّ بدويًّا في أعماقهِ. لذا فإنَّهُ في نهايةِ الأمر سيصل إلى مستوى ثقافي معيَّن وكبير، من الصَّعب عليهِ أن يتنازلَ عن هذا المستوى ليكتب بثقافةٍ متواضعة لقارئٍ ما! المجتمعات تتطوَّر وتزداد حضارةً، وعلى المُتلقِّي أن يتطوَّر فكريًا، فالحداثة الشِّعرية تفرضُ نفسها. ولا يوجد شاعر يُريدُ أن يبقى مُتسوِّلًا على رصيف من سبقه، ولا يُريد أن يكونَ واضحًا وضوحًا يُقرِّبهُ من الحماقة ليُدْعَى بشاعرِ العامة. ولا يُريد أن يُقالَ عنهُ شاعر -فقط- لأنَّهُ يُجيدُ الوزن والقافية. فالشَّاعرُ الحديثُ لهُ أدواتهُ التي يستخدمها من أجلِ التجديد، ليستطيع أن يخلقَ حالةً من الدَّهشةِ والإنزياح الشِّعري، في محاولة خلقِ تغيير لغوي وتغيير في مناطِ الصورة بالخروج عن المألوف، الصُّور الشِّعرية، التي تُدهشُ عقولنا وتُثيرُ خيالنا حتَّى قبل أن نُحاول فكَّ رموزها وتفسيرها. وهذا ليس غموضًا وابتعادًا عن القارئ بقدر أن يُكوِّنَ بصمةً خاصَّةً تُميِّزُهُ عن الشُّعراءِ الآخرين. ونظرًا لجاذبيتهِ الشَّديدة؛ فإنَّ الغموضَ من أساسياتِ الشِّعر، فهو مطلبٌ أساسيٌّ لتحريكِ الخيال وتنمية الدَّهشة. بشرط أن لا تتحول كلمات الشَّاعر وأبياتهِ وجُملهِ إلى طلاسم نحتاجُ كتالوجًا يشرح معناها.

قال أدونيس: “فتنةُ الشِّعر تقودنا إلى فتنةِ الأسئلة“.

وقال أبو تمام عندما سُئل:

لماذا لا تَكتبُ شيئًا نفهمه؟“.

فأجابَ: ولماذا لا تفهمون ما يُكتب؟“.

إذًا؛ لا يستطيع الشَّاعر أن لا يهتم بالقارئ والمُتلقِّي. هو فقط؛ لا يتخيَّل قارئًا مُعيَّنًا بثقافةٍ ما؛ ليكتبَ له. هو ببساطة يكتب. وعلى القارئ -مهما كانت ثقافته، ومهما كان عمرهُ البيولوجي- أن يُفسِّرَ النَّص بطريقتهِ كما يُريد.

كما أنَّنا لا يجب أن نُطالب الشَّاعر بأي شرحٍ أو إيضاح أو تقديم تفسيرات، لأنَّهُ بذلك؛ سيضطر إلى سردِ مناسبة نظمه، وإلى التَّحدثِ عن لحظاتِ كتابتهِ، وهذا سيأخذنا إلى حياتهِ الواقعية العادية، والبسيطة، والتَّافهة. وبذلك، نحكمُ على هذا الشِّعر، وعلى ما فيه من جمالٍ، وإثارة، وغموض؛ بالموت!

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • خواطر

    موضوع أكثر من رائع أخي
    في الحقيقة القارئ العربي في الغالب لا تقرأ ما تكتب، وإنما يتصفحه، او يقوم بمسح سريع للمقال أو القصيدة، وإن شدته بعض الكلمات، وقتها يقرأ بإمعان، ولكن إن لم يجد أي شيء يشده، فهو يرحل دون ان يعطيك فرصة.

    فكيف سيكون الحال وأنت تكتب قصيدة كلها معاني خفية، اعتقد القارئ العادي لن يعطيها حقا، إلا إذا كان من أحد المعجبين بما تكتب، وقتها يمكن أن تجده يبذل مجهودا ليفهم معاني كلماتك

  • وطني أنا

    – انطلاقاً من كلامك المهذب والموضوعي أعلاه، أقول أنّ التحديث في الشعر عندما أتى وبدأ يكتب به الشعراء ويجربون أنفسهم، ظلوا يعانون من هجمات قاسية جداً نتيجة العشوائية في التجريب، من حيث تركيب صور مستحدثة على هيئة تكاد تكون أشبه بطلاسم موغلة بالرمزية، واطلاق كل شاعر على قصيدته اسم المدرسة الجديدة القادمة، وهذا ليس بصحيح، مما أوجد بلبلة أساءت للذائقة الانسانية والبشرية في الحقيقة، وجعل بعض القراء يكرهون التوغل في أعماق اللغة والأوصاف كما قدمها هؤلاء الشعراء التجريبيون الجدد حينها. لكن كان منهم صامدون عملوا على أدواتهم الشعرية واللغوية وقدموا لنا فناً أدبياً راقياً ما زلنا نستمتع به كل يوم مع احتوائه على ذلك الغموض. وأنا هنا أحاول العودة في التأريخ بحثاً عمن كتبوا الغموض الأسود واستمتعوا به، لأجد أنهم قلة قليلة، فمفهوم النصّ الجميل العصري الآن تغير، وأتصور في نظري، يكمن في عمقه وبساطته ولا أقصد سطحيته، بل في كيف توصل نصك لأكبر عدد من القراء دون أن تشوه فكرتك الجميلة التي تريد أن تكتب عنها.
    وبذهني سؤال أختم به كلامي، هل نظرية الغموض الشعرية تنطبق على أنواع الكتابة الأخرى كالرواية والقصة والنثر ؟ هل من الجميل أن تكون القصة أو الرواية غامضة ؟ أم أن الغموض لا يكون لذيذاً إلا مع النص الشعري ؟

    • @ وطني أنا،

      يُمكننا اعتبار بداية التَّحديث في الشِّعر في منتصف العشرينات، عندما ظهرت شعر التَّفعيلة. وأراهُ تحديثًا شرعيًا للشِّعر العمودي التي تربَّينا عليها في مناهجنا المدرسية، أيَّام امرؤ القيس وطرفة بن العبد وغيرهم. فشعرُ التَّفعيلة لم يُشوِّه الشِّعر بقدر ما اضاف لهُ حُرِّيةِ تراسل المعاني والعاطفة بلا قيدٍ يجبرنا على الوقوف في نهايةِ كل جُملةٍ كالبيت في الشِّعر العمودي. كلُّ ما تُريد قوله، يجب أن تختصرهُ في بيتٍ واحد، لذا كان شعرُ التَّفعيلة طفرة في وقتها.

      العشوائية، أجدها في قصيدة النَّثر التي ظهرت في السَّبعينات، وكما تفضَّلت، نعم بدأؤوا بصورٍ غريبةٍ خزعبلية المضمون والمعنى، أو كما يُقال، أصابونا بالقيء الشِّعري. وذلك ناتج عن عدم معرفة هؤلاء أهميَّة ما استوردوه من الغرب، فظنُّوا لأنَّهُ بلا قواعد ولا شروط، يُمكنهم كتابة ما يُريدون وقت ما يشاؤون. فلوَّثوا الشِّعر والشَّاعر، ووضعوا جدارًا سميكًا بينهم وبين القارئ. واستمرَّ هذا الغثيان حتَّى بدأت تكتمل التَّجربة على يدِ شُعراء أمثال: محمد الماغوط، وأدونيس، وأنسي الحاج… وغيرهم، ممَّن نقلونا إلى أجواءٍ أكثر وعيًا، وإن كان يشوب بعضِ تجاربهم الاتهام.

      ومسألة إيصال شعركَ لأكبر عددٍ من القُرَّاء، أعتقد أنَّها لم تعد مشكلة في زمنِ الانترنت، يكفي أن تشارك في عشرِ منتديات حتَّى تضمن وصول شعركَ إلى مئات وألآف الأعضاء والزَّائرين والباحثين. يكفي أن تُشارك في مسابقة شعرية كأمير الشُّعراء أو شاعر المليون؛ لتضمن وصولك إلى القمَّة. المشكلة في نوعية هؤلاء المُتلقين، وهل سيقبلون منك أم لا، بالإضافةِ؛ ماذا سيضيفون للشَّاعر. فكما ذكرتُ الشَّاعر والمُتلقِّي في طرفي مُعادلة واحدة، ولا فائدة من كلاهما إذا لم يتبادلا المنفعة.
      ***

      بعدما انحسر الشِّعر ودوره، أصبحت الرِّواية أكبر وأقوى وأرقى شكل أدبي حتَّى الآن. أتعرف لماذا؟ لأنَّهُ لا رواية تُكتب؛ إلَّا وفيها جانب شعري. في تفاصيلها، في وصفها، في شخصيَّاتها، دائمًا ستجد أنَّ الرِّواية ورثت سطوة الشِّعر وجماله.
      وغموضها أو رمزيتها، يعتمد في ماذا تعرض؟ الرِّواية أو القصَّة هي مرآة للواقع، تنقل لنا أحداثًا حقيقية أو خيالية تمسُّ الواقع. والرِّواية أو القصَّة مثلها مثل الشِّعر. إذا لم تثور على التَّقليدية في الكتابة لتجعل قارئها يقرأها بلا جُهدٍ يُذكر، فإن صدى نجاحها يكون محدودًا.
      والرَّمزية في الرِّواية مجموعة العلاقات التي تربط أحداثها بالواقع، أو أحداثها التي تُشبه ما يحدث في الواقع. هي علاقات لا ألغاز. والمهم أن أعبِّر عن هذه العلاقات بطريقةٍ غير عادية بألفاظٍ غير عادية، وإلَّا لتحوَّلت الرِّواية إلى مقالاتٍ إخبارية لا حسّ فيها ولا جمال. ولا أقصد بالألفاظ غير العادية أن أخترعَ لغةً جديدة أو ألفاظٍ منسية، بل كيف سأستطيع ربط هذه الكلمات وترتيبها بحيث أحصل على علاقات لا استثنائية تُدهشنا وتُثير خيالنا بما تحمله من صورٍ ورموزٍ واستعارات، وهنا نرى أنفسنا نعود إلى غموضِ الشِّعر!

      أمَّا الرِّوايات البوليسية، بالتَّأكيد هي أيضًا تنقلُ الواقع الذي يجب أن نُعبِّر عنهُ بكلِّ صدق، لكنَّها تحوي في تركيبها غموضًا لذيذًا، يُثير العقل ويُحرِّك الفِكر. مثلُها مثل روايات الخيال العلمي، التي تهدم الواقع وتقتلعهُ من جذوره، لكنَّها تبقى مُثيرة.

      أنا أشكرُ مُداخلتكَ الرَّائعة،
      وأشكرُ تقديركَ واهتمامك.

  • ..
    صباح الخير ” محمود ” و أن كان مساءاً .. ف مساءك خير ..
    ” القارئ و الغموض الشعري ” موضوع قيم و لذيذ و قابل للالتهام أكثر من مرة و بأكثر من طريقة .. و شاكر لك هذه الوجبة الدسمة يا أستاذي الفاضل ..
    ..
    في البداية .. إذا كان ” ما يعجبني لا يعجب غيري و ما يعجب غيري لا يعجبني ” .. فهنا سنصطدم حتماً بالذائقة .. ذائقة المتلقي / القارئ .. و القارئ هو مرآه للكاتب .. و القصيدة الشعرية نثراً أو نظماً أن لم يستسيغها القارئ من أول قراءة فهذا فشل في النص و ليس في الكاتب .. لأنه مستحيل على الكاتب أن يحافظ على نفس الرتم من الجمالية في جميع إنتاجه .. كما من المستحيل عليه أن يرضي جميع الأذواق .. و لذلك أرى القفز ما بين أسلوب و أسلوب و التغيير في تطعيم النصوص بالغامض و الواضح سيعطي الكاتب المساحة الأكبر ليخاطب جميع القراء بمختلف أذواقهم و ثقافاتهم .. و بمنظوري الشخصي لا أراه ضعف في الكاتب عندما يكتب ما يفهمه الجميع .
    ..
    القسم الثاني ” الغموض الشعري ” .. لنتفق أولاً بأن هناك من يكتب ما لا يفهمه هو .. و أنما مجرد تعبير معتم أنفجر غامضاً في وجه إلهامه حتى طال وجوه الجميع .. و انتهى كما بدء و لم يترك سوء الحيرة .. و أبداً لا يعيب القارئ عندما يقرأ ما لا يفهمه .. ربما يكون للكاتب مغازي أخرى يفهمها هو و القريبين منه فقط .. و لكل كاتب طريقته لتوصيل ما يختلج في ذاته حتى لو لم يفهمه أحد ..
    ..
    و في النهاية يا صديقي العزيز أقول لك .. ما جدوى الشعر أن لم يتفاعل معه الجميع و لا يتفاعل معه إلا القليل من الناس ..
    موضوع قيم و لم أعقب إلا لأشكرك .

    • @ أكثر من ..،

      صباحكَ سُكَّر.. 🙂

      للأسف يا صديقي، حتَّى الذَّائقة لها أسس تحكمها ومنهج يجب السَّير عليه. معظم من يمتلكون ذوقًا، أو من يظنُّون أنَّهم يمتلكون ذوقًا ما، هم في الغالبِ يُعبِّرون عن ثقافتهم وسلوكياتهم التي نشئوا وتربُّوا عليها، وتلك التي ورثوها من مجتمعهم. والحقيقةُ أنَّ الذَّوق الشَّخصي والذَّوق العام، أُفسِدَ بكثيرٍ ممَّا قدَّمتهُ هذه الحضارة. أي أنَّني لا أستطيع أن أثقَ بذائقةٍ من هذا النَّوع، أو أن أُعيرها اهتمامًا. فقد يفشل النَّص في أن يُثير شهيَّة قارئٍ ما، ويكسبُ قارئًا آخر.
      برأي المُتواضع، الذَّوق وحده لم يعد كافيًا للاعتداد به، على الأقل؛ في هذه الأيَّام التي انعدم فيها التَّمييز بين الأشياء، بين الحسن والقبيح، وبين الرَّخيص والثَّمين، وبين الجيِّد والمُتهالك. فالمُشكلة حين يكون هذا الذَّوق غير لائق، كسوءِ اختيار، أو فشل تصنيف؛ أي عدم وضعِ الأشياء في مكانها وموضعها الصَّحيح، فهذا يجلعنا نصطدم بمصطلح الحُرِّية، حريّة التَّعبير عن الرَّأي، فيجد الكاتب نفسه في دوَّامة لا بداية لها ولا نهاية. على الأقل، الكاتب يحتاج إلى قارئٍ يملكُ حدًّا أدنى من الثَّقافة والمعرفة. فالقارئ والكاتب يُمثِّلان طرفي مُعادلة واحدة.

      وأنا معكَ في أنَّ على الكاتب أن يُنوِّع في مستوى كتاباته، ليكسبَ أكبر عددٍ من القُرَّاءِ والمُتابعين. ولكن بحذر، فهناك خيط رفيع بين الوضوح والسَّذاجة، وبين الغموضِ والطَّلاسم. بالرَّغمِ من أنَّني على مستوى الشِّعر، لم اقرأ شاعرًا تعمَّد في نصوصهِ أن يكون أدنى. فمثلًا نزار قبَّاني لم تتغيَّر طريقته طيلة الخمسين سنة التي مارس فيها الشِّعر. ومحمود درويش لم يُغيِّر مستوى نصوصهِ، بل كان يُحاولُ في كلِّ ديوانٍ جديدٍ أن يخترعَ لغةً جديدة. وأمل دنقل لم يكتب أقل ممَّا يُريد. وتطول قائمة شُعرائنا الكبار الذين استمرُّوا عُلوًّا في نهجهم. وهذا ما قصدتهُ في المقال، أن الشَّاعر يكتب فقط، يكتب بناءً على ثقافتهِ هو. دون أن يُحاول أن يُقيَّد نفسه بمستوى ثقافة القارئ، فيضيع في لُججِ الأسئلة، يا ترى هل سيفهمون ما أكتب، هل أغير هذه الكلمة أو أحذف هذه الجملة، هل أستغني عن هذا المعنى، وما إلى ذلك من الأسئلة التي تقتلُ النَّص قبل أن يُولد!

      أمَّا الأسلوب، فلا يصح التَّلاعب به، فالأسلوب هو البصمة التي تُميِّز هذا الشَّاعر عن ذاك. والتَّنقل بين الأساليب، يدلُّ على أنَّ الشَّاعر ما زال يبحث عن شخصيتهِ الأدبية. فنزار لهُ أسلوبه، ودرويش، وأمل، وأدونيس، وعبدالصبور، وحجازي، والسَّياب،… إلخ، كلٌّ لهُ أسلوبه الخاص في استخدام اللغة والتَّعبير عمَّا يُريد بطريقة تجعلنا نعرف من صاحبَ النَّص دون أن نقرأ اسمه.
      ***

      بالطَّبع لا يعيب القارئ أن يقرأ ما لا يفهمه. أتدري، حتَّى الشُّعراء أنفسهم والنُّقاد قد يقرأون ما لا يفهمونه، وهذا لا يعيبهم، ولا يعيب صاحب النَّص، ما لم يكن يكتب خزعبلات. شخصيًّا، أقرأ لأدونيس، وأعتبرهُ أكثر الشُّعراء إرباكًا وغموضًا، وأحيانًا ما يصعب عليَّ فهم بعض كتاباته، ولا أعتبرهُ عيبًا، بدليل، أنَّني أُصارحكَ الآن بجهلي بفهم بعضِ نصوصه. ولكن هذا لا ينفي أنَّني أستمتعُ وأنا أقرأ لهُ، أستمتعُ باللغة، والصُّور المُركبة الشَّديدة التَّأثير، تلك الصُّورة التي تفتنكَ قبل أن تُحاول فكَّ رموزها.

      أتعلم، الشَّاعر هو قارئ نفسه، لكنَّهُ قارئ غير كافٍ، ويحتاج إلى من يُكمله، لذا هو في رحلةِ بحثٍ عن قُرَّاءٍ يُغلقون دائرتهُ المفتوحة. فتجدهُ يُحاول جاهدًا أن يتفاعل معهُ الجميع، حتَّى ولو كانوا قرَّاءً مجهولين. ولكنَّهُ في النِّهايةِ لن يستطيع تحقيق هذه المُعادلة الصَّعبة جدًّا. فللشِّعرِ جدوى، وعدم تفاعل الجميع معهُ، لا يُضير الشَّاعر، لأنَّهُ لن يستطيع. خاصَّةً وأنَّنا في زمنٍ انحسرَ فيه دور الشِّعرِ بشكلٍ كبير، بالإضافةِ إلى أنَّهُ أصبح كل من يكتبُ جملة جميلة، اعتبر نفسهُ شاعرًا. وهذا من أحد أسباب هروب جمهور الشِّعر. وتفاعل القلَّة القليلة مع ما يُكتب.

      سُعدتُ بكَ يا صديق، 🙂

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات