تقنيات الشعر

تقنيات الشعر: الموسيقى الداخلية

الموسيقى الداخلية
الموسيقى الداخلية

تقنيات الشعر: الموسيقى الداخلية

هناك نوعان من الموسيقى في أيّ قصيدة:

  • موسيقى خارجية: تعتمدُ على القالب أو البحر الشّعري المُستخدم، وهو ما يمسّ النّاحيّة الشّكليّة من الشّعر.
  • موسيقى داخلية: تتولَّد بفضل انسجام الحروف والكلمات والجُمل والعبارات، وهو ما يمسّ جوهره ومضمونه.

تتفاعل الموسيقى الداخلية مع الموسيقى الخارجية لإحداث النّغم الموسيقى وإيجاد البنية الإيقاعيَّة للقصيدة. هي أصعبُ من الموسيقى الخارجية، ففي الخارجيّة هناك بحرٌ يحكمك بتفعيلاته ووزنه، أي يكفي أن تكتب على هذه التّفعيلات لتُحقِّق الموسيقى الخارجية فحسب، أمَّا الموسيقى الداخلية فتتّسع لتشمل اختيار الشَّاعر لحروفه وألفاظه وإبداع صوره وأخيلته لإيجاد التَّناغم بين أجزاء الجُملة الشِّعريَّة وتحقيق الثّراء الموسيقي. في موضوع تقنيات الشّعر، تعرّفنا إلى بعض هذه التّقنيّات، في هذا الموضوع سنعيد بعضها ونضيف إليها.

تتجلَّى الموسيقى الداخلية من طريق عدَّة وسائل تُكوّن الإيقاع الدَّاخلي وتُساعد على إبرازِ النَّغم الموسيقيّ، منها:

1. الجناس أو التَّجنيس

واحد من أبرز الوسائل اللّغويّة لتكثيف النّغم الدّاخلي، وإحداث نغمات موسيقيّة مُتصاعدة.

الجناسُ: تشابه كلمتين مع اختلاف المعنى. قد يكون تجانسًا تامًّا أي ما اتّفق في نوع الحروف وعددها وهيأتها وترتيبها، مثل: (سِباع) الطُّيور الجارحة. (سِباع) الرّجال الشّجعان.

وتَدْرِي سِباعُ الطَّيْرِ أَنَّ كُمَاتَهُ

إِذا لَقِيَتْ صِيدَ الكُماةِ سِباعُ

وقد يكون جناسًا مستوفى –نوع من الجناس التّام- أي: ما اتّفق في نوعِ الحروف وعدِدها وهيأتِها وترتيبها واختلفتا في نوع الكلمة بأن تكون إحداهما فعلًا والأخرى اسمًا أو حرفًا أو إحداهما اسمًا والأخرى حرفًا، مثل: الفعلُ (تَجِدُ) بمعنى الوجود، والاسمُ (تَجِدُّ) بمعنى السّرعة.

هاتِيكَ دارُهُمُ فقِفْ بمَغَانِها

تَجِدِ الدُّمُوعَ تَجِدُّ في هَمَلانِها

قد يكون جناسًا غير تام أو ناقصًا، وهو ما اختلف فيه اللّفظان في واحد أو أكثر من نوع الأحرف وعددها وهيأتها وترتيبها. (شحمًا و لحمًا) جناس غير تام اختلفت فيه الكلمتان في أول حرف فيها. كذلك مثل: (غضّة و بضّة)، (الأشيب و الأطيب). ومثل: (بطش و بطيش) اختلفتا في عدد الحروف.

تَمَلَّأَ شَحْماً ولَحْماً وما

يَلِيقُ تَمَلُّؤهُ بالكِتابَهْ

وقد يكون جناسًا مُضارعًا، وهو اختلاف اللّفظين في حرفين مع قرب مخرجهما. أو جناسًا لاحقًا –عكس المُضارع- وهو اختلاف اللّفظين في حرفين مع بُعد مخرجهما. ولكي تعرف قرب المخرج من بُعده، قِف عليه ساكنًا.

مثل المُضارع: (عُلمائِها و حُلَمائِها). مثل الّلاحق: (أُدبائِها و ظُرَفائِها).

كَبِدي على عُلّمائِها حُلَمائِها

أُدَبائِها ظُرَفائِها تَتَفَطّرُ

2. السَّجع

السجع وسيلة أُخرى من الوسائل اللّغويّة الّتي تولّد هزّات وذبذبات بسبب ترديد صوت الحرف، فيُحدث موسيقى رنّانة وإيقاع منغمي جذّاب.

الكلام المقفّى أو موالاة الكلام على روي واحد، وفي اصطلاح البلاغيين: تواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد أو على حرفين متقاربين أو حروف متقاربة ويقع في الشِّعر كما يقع في النثر. وللتّفريق بينه وبين الجناس، فالسّجع أو اتّفاق الفواصل يقع في أواخر الجمل فقط أو موضع الوقف.

كاللّفظتين (أهواءها و مراءها) الّتي جاءت في آخر البيتِ مُتناغمة مع قافية أبياتِ القصيدة.

ومِن خُطْبَة في كَبّةِ الصّكِ فَيْصَلٍ

حَسَمْتُ بِهاه أهْواءَها ومِراءَهَا

3. التَّقطيع الصَّوتي

من أساليب تقوية الجرس الموسيقى وتكثيف النّغم.

«تجزئة الوزن إلى مواقف، أو مواضع يسكت فيها الّلسان أو يستريح في أثناء الأداء الإلقائي». وهو وقفان: عَروضي وصوتي. العَروضي: نهاية التّفعيلة. والصّوتي: الَّذي ينقطعُ عنده الصّوت.

الوقفُ العَروضي عند (النّون)، والوقفُ الصّوتي عند الياء السّاكنة في (يَبكي)؛ لتستريح النّفس ثُمّ تُكمل.

فلِمثلِ قُرْطُبةٍ يقلُّ بُكاءُ مَن

يَبْكِي بعَيْنٍ دَمْعُها مُتَفَجِّرُ

في البيت الآتي قسّم الشَّاعر البيت الأوَّل إلى ثلاثة أجزاء يتوقّف الصّوت عند الهاء المكسورة (مُتلفعٌ بحريرهِ، مُتضمّخٌ بعبيرهِ، مُترنّحٌ بفتورهِ). مع ما فيه من سجع وترصيع.

مُتَلَفِّعٌ بحَريرهِ مُتَضَمِّخٌ

بعَبيرهِ مُتَرَنِّحٌ بفُتُورِهِ

4. التّكرار

أحد ركائز الإيقاع الدّاخلي، وأحد لبنات البناء الفنّي للقصيدة.

يُستخدمُ التِّكرار لخدمةِ المعنى وتقويته. يقتربُ من الجناس التَّام الَّذي تتكرَّرُ فيه الألفاظ لكن مع اختلافِ معناها. يتأرجحُ التِّكرار بين تكرار الحروف وتكرار الكلمات. كتكرار كلمة (جنى) لتأكيد فاجعة الوشاية وتلميحًا ببراءة الشّاعر.

جَنَى ما جَنَى في قُبَّة الملكِ غَيْرُهُ

وطُوِّقَ منه بالعَظِيمةِ جيدُ

عادةً تُكرَّرُ حروف القافية، فتكرار حرف روي القافية في الحشو يعمل على زيادة وحدة النّغم الموسيقى في القصيدة، ويُكثِّف الجانب الإيقاعي فيها.

المهمّ ألَّا يكون التِّكرار بلا هدف، كأن يكون من أجلِ إثباتِ براعةٍ شعريَّةٍ أو لسدّ فراغ الوزن.

5. التَّصريع

من المُحسّنات اللّفظيّة الّتي تعمل كالضّابط الإيقاعي. يقع في الشِّعر فقط، دون النّثر. يُستخدم عند افتتاح القصيدة، أو يُستخدم كتصريعٍ داخلي عند الانتقال من غرضٍ إلى آخر. وهو: أن تكون تقفية العروض هي تقفية الضّرب نفسها. وعندما لا يكون البيت مُصرعًا يُسمّى مُصمتًا.

أخْلَلتَني بِمَحلَّةِ الجَوزاءِ

ورَويتُ عِندَكَ مِن دَمِ الأَعدَاءِ

6. ردّ الأعجاز على الصّدور

عجزُ البيت هو آخر كلمة في الشّطر الثّاني، وصدر البيت هو آخر كلمة في الشّطر الأوّل. وهو من أحد فنون البديع الخمسة الرّئيسة الَّتي تُضفي على الأبياتِ ظلالًا موسيقيّة جميلة تُقارب بين الأطراف المُتباعدة.

فقد وافقت قافية البيت (سِباعُ) إحدى كلمات الصّدر (سِباعُ). ويُمكن تسميته «تصدير الحشو».

وتَدْرِي سِباعُ الطَّيْرِ أَنَّ كُمَاتَهُ

إِذا لَقِيَتْ صِيدَ الكُماةِ سِباعُ

ويُمكن أن يُسمّى «تصدير التّقفية» حيث تتّفقُ آخر كلمة في البيت مع آخر كلمة في الصّدر.

وَكَيف ارتضائي دارة الْجَهْل منزِلاً

إِذا كَانَت الجوزاءُ بعضَ منازلي

إذًا تجانس الكلمات، وذبذبة السّجعات، ورنين الأصوات المقطعيّة، وتكرار الألفاظ والحروف؛ تُعدّ وسائلَ يستخدمها الشّاعر لتوليد الإيقاع الدّاخلي، وهي تدلُّ على ثروةٍ لغويّةٍ هائلة، وقوّة شعريّة، ومهارة بيانيّة، وقدرة على اختيار الموضوعاتِ الحسنة لما يختارهُ من بديع كالسّجع وغيره.

هل لديك تقنيّات أُخرى؟ اتركها في التّعليق!

# الموسيقى الداخلية By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات