النشر الذاتي والتقليدي

النشر الذاتي

النشر الذاتي
النشر الذاتي

النشر الذاتي

مُقدَّمة

كان لدى النشر الذاتي سُمعةً سيّئة، فقبل سنواتٍ قليلةٍ لم يكن خيارًا رائجًا لدى الكتّاب والمؤلّفين، واختياره وسيلة نشر تعني: عشرات الإخفاقات مع دور النشر التقليدية، فهو يدلُّ على أنّ كتابك رفضتهُ دور النشر التقليدية فلم يعد لديك من وسيلةٍ سوى نشره ذاتيًّا؛ لذلك كان النشر الذاتي وصمة عار، وكان يُنظر للكتب المنشورة ذاتيًّا بنظرة احتقار وأنّها غير جديرةٍ بالتّقدير؛ إلّا أنّه في السّنوات الأخيرة صار وسيلةً مقبولةً لكلّ من يودّ عرض عمله ومُشاركته مع النّاس.

لو تتبّعنا تاريخ الكُتّاب الكبار ذوي الأسماء اللّامعة في عالم الأدب سنجد أنّ منهم من نشر كتابه ذاتيًّا، وكثيرةٌ هي الكتبُ النّاجحةُ الّتي رُفضت في بدايتها، مثل: «لوليتا» حيثُ عُدّت مُقرفة للغاية، ورُفضت رواية «هاري بوتر» ثماني مرّاتٍ، وغيرهما.

موضوع مُميّز: [14 سببًا لاختيار النشر التقليدي (الورقي)].

دعْ جانبًا كلّ حالاتِ الرّفضِ الّتي تعرفها وتذكّر شيئًا واحدًا: إنّ جميع وكلاء دور النشر التقليدية ليسوا سوى بشرٍ، أُناسٍ يقرؤون كثيرًا من النّثر السّخيف ويختارون الكتب الّتي -بحسب تقديرهم- ستُحقّق فرصةَ في أن تكون ضمن الأعلى مبيعًا، مثل كتاب «بنات الرّياض» الضّعيف أدبيًّا والنّاجحُ إعلاميًّا.

إذا فكّرت في الوظائف الّتي يُؤدّيها هؤلاء النّاشرون، ستفهم لماذا يتسللُّ هذا العددُ الكبيرُ من الكتبِ العظيمةِ من بين أيديهم. رُبّما كان النّاشرُ مُتعبًا أو جائعًا أو مُتوتّرًا عندما قرأ الكتاب. رُبّما قرأ كُتبًا تُشبه فكرة الكتاب. رُبّما لمست فيه القصّة وترًا حسّاسًا. رُبّما أعجبهُ الكتاب ولكنّهُ شَعَرَ أنّ دار النّشرِ لن تجدَ قرّاءً له. رُبّما لا يتّفقُ الكتاب مع فلسفة الدّار. رُبّما تبحثُ الدّار عن قصّةٍ مُثيرةٍ حول: (زنا المحارم) مثلًا. هذا يعني: أنّ رفض كتابٍ -خمس، أو عشر، أو مئة مرّة- لا يعني أنّه سيّئٌ أو أنّهُ لن يكون كتابًا ناجحًا.

احتكار صناعة النشر

يشكو كُتّابٌ كثيرون من احتكار صناعة النّشر؛ إنّما نظرة واحدة إلى مئاتِ المخطوطات ستُظهر لنا عددًا كبيرًا من الأخطاء الّتي تُوجبُ الرّفض، في الغالب لدى دورُ النّشرِ العريقةِ حقًّا في رفضِ بعض الأعمال، فالواقع يُشيرُ إلى أنّ كثيرًا من الكتب المنشورة ذاتيًّا هي كتب سيّئة الصّنع، ودور النشر التقليدية لن تُجازف بقَبول كتابٍ دون المُستوى؛ لذلك فإنّ تلك الكتب تظلُّ أقلّ حظًّا للحصول على إذن النّشر؛ ولكن هذا لا يعني أنّ كلّ كتابٍ يُرفضُ هو كتابٌ تافهٌ أو أنّ كلّ الكُتّابِ الّذين نشروا كتبهم بأنفسهم كتّابٌ سيّئون؛ فكثيرٌ منهم لجؤوا إلى النشر الذاتي لعدم قدرتهم على تأمين قيمة عقد النّشر، أو لاعتباراتٍ أُخرى لا علاقة للمال بها. يجبُ على الكتّاب أن يتذكّروا أنّ الرّفضَ لا يعني ألّا يستمرّوا في المُحاولة حتّى ينجحوا؛ لأنّهُ يجب على الكاتب أن يملك المعرفة والثّقة في أنّ لدى كتابهِ القدرة على النّجاح.

أفضلُ وسيلةٍ لقياس مدى أهميّة كتابك وجدارته؛ هي: أن تقرأ جيِّدًا، دع قلبك يُرشدك، وإذا لم تستوعب طريقة العمل الأدبيّة بعد؛ فأنت لا تملك وسيلةً للحكم على عَملك وتقويمه، وعليك إذًا أن تقرأ الكتب الجيّدة، والسّيئة، والمُتواضعة، والكتب العظيمة، وتعلّم أن تُوجد في نفسك جهازَ استشعارٍ رقابيٍّ يُمكنهُ إطلاق الأحكام والإحساس بها.

السّؤال هُنا: مُعظمُ دور النّشرِ تبحثُ عن الرّبح من وراءِ استثمار كتابك، وما دام الكاتبُ سيتحمّل نفقاتِ الطّباعة والنّشر والتّوزيع، لماذا لا تتمّ صفقة النّشر؟

تجربتي

لم يكنْ حظّي جيِّدًا مع النّاشرين التّقليديّين. سافرتُ إلى لبنان في سنة 2007 للقاء ثلاثة من دور النّشر العريقة: دارُ السّاقي، ودار رياض الرّيس، والمؤسسة العربيّة للدّراسات والنّشر.

دارُ السّاقي: بعد إضاعةِ وقتي لأكثر من ستّةِ أشهر اعتذروا.

دارُ رياض الرّيس: لم يُجيبوني بالقَبول أو الرّفض؛ مع أنّ وعودهم كانت مُبشّرة، خاصّةً أنّ لديهم دارًا فرعيّة لأعمال الأدباء الشّباب المُبتدئين.

المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر: لم تنتظر قراءة العمل، وطلبت في أثناء وجودي معها مبلغ (3000) دولار؛ ما أدهشني! فطلبتُ مُهلةً لدراسة عرضهم ولم أعدْ إليهم.

أعلمُ أنّ كثيرًا من دور النّشر يضعون كتبًا لا تصلح إلّا للقمامةِ مع بعض الكُتب الجيّدة. في الواقع إنّ النّاشرين التّقليديّين مع استخدامهم لاستراتيجيّات تسويقٍ ذكيّةٍ؛ جعلت آلاف الكتب -الّتي أعتقدُ أنّها مُلائمة أكثر لتكون بطانة صندوق قِمامة- تجلس على رفوف الكتب.

سأكونُ مُنصفًا وأقول: إنّ كتابي في ذلك الوقت كان دونَ المُستوى.

النشر الذاتي

بالتّأكيد يُفكّرُ مُعظم الكتّابِ في النشر الذاتي ويسيرونَ في اتّجاههِ؛ ولكن قبل أن يُصبح الوصول إلى الإنترنت سهلًا وعلى نطاقٍ واسعٍ، وقبل التّطوّر التكنولوجي، كان النشر الذاتي يتطلّبُ استثماراتٍ ضخمة، كان يجبُ عليك أن تجدَ طابعةً وتدفعُ ثمن التّشغيل، وإذا طبعت (500) كتابٍ أو (1000) كتابٍ، كان عليك أن تخرجَ بنفسك لبيع هذه الكتب في محاولةٍ لجني الأرباح أو –في الأقل- استرداد المبلغ الّذي استثمرتهُ.

في الوقتِ الحاضر، يستأجرُ كتّاب النشر الذاتي مُحرّرين أو مُدقّقين لُغويّين، ومُصممي أغلفة كتب، ورُبّما مستشار علاقاتٍ عامّة، سابقًا؛ كان عليك أن تفعل كلّ ذلك بنفسك، إضافةً إلى دفع آلافِ الدّولاراتِ للحصول على نسخٍ من كتابك، لا مُشَاحَّةَ في أنّ التّكنولوجيا غيّرت ذلك، جعلت النشر الذاتي أمرًا هيّنًا ومُيَسَّرًا.

النشر الذاتي والمجتمع

النشر الذاتي هو: صناعةٌ تتطلّبُ القتال من أجلها؛ لإعطاءِ قيمةٍ للنشر الذاتي وجعلهُ مُحترمًا بإلغاءِ كلّ الدّلالاتِ السّلبيّةِ حوله. يرى بعضهم أنّك ما دُمت ستتحمّل نفقات ما تنشره، يُمكنك الحصول على ما تُريد، ويحقُّ لك أن تُسمّى كاتبًا.

لجوءُ الكتّابِ إلى النشر الذاتي لا يعني أنّهم بلا عمل، أو أنّهم يائسون من الاعتراف بهم، فالمرءُ لا يحتاجُ إلى أن يكونَ لديهِ كتابٌ ليكونَ كاتبًا، كلّ ما يحتاجُ إليه هو (أن يكتب)، فكثيرٌ منهم لهُ تاريخٌ طويلٌ في مجال الكتابة، بعضهم يعملُ في السّر أو لا تُغريه الشُّهرة والمجد الدّعائي والإعلامي، أو لا يهتمّ بالعائد المادّي؛ إلّا أنّهم في لحظةٍ ما وفي مكانٍ ما قرّروا توثيق أعمالهم وإثباتها لأسبابٍ عديدة. قد يكونون في حاجةٍ إلى الاعترافِ بهم ككتّاب، وهذا لا بأس به، فالكتابةُ –بوجهٍ عام- طريقةٌ إلى الحصول على هذا الاعتراف، وبعضهم يُريدُ العمل مُستقلًّا عن الشّركاتِ الكُبرى، وبعضهم لا هذا ولا ذاك؛ إنّما من أجلِ كسب العيشِ من حرفة الكتابة، وبعضهم ينشرُ ذاتيًّا لينتشر، وبعدئذٍ سينتقلُ إلى النشر التقليدي عندما يكوّن شهرةً معقولة.

انتقدَ بعضُ النّاسِ الانجراف الهائل لكثيرٍ من الكتّابِ إلى النشر الذاتي الّذي بات يجتاحُ الإنترنت. حقًّا؛ يوجد كثيرٌ من الأعمال السّيئةِ الّتي لا يُمكنُ قراءتها، نحنُ بحاجةٍ إلى حرّاس صناعةٍ للنشر الذاتي من أجل التّخلّص من الكتبِ السّيئةِ. لكنّني أعتقدُ أنّ هذا هُراء! فلنترك السّوق، ولنسمح للقرّاء أن يُقرّروا بأنفسهم الكتب الّتي يرغبون في شرائها وقراءتها. لنسمح للكتّاب تحمُّلَ مُخاطرةِ نشر أعمالهم، ولننتظر ماذا سيحدث؟ إنّهُ نموذج العمل المثالي الّذي يخلق اللّعب على أرضٍ واسعةٍ وأكثر عدلًا.

أفضلُ جزءٍ هو: أنّ النشر الذاتي يضعُ سلطةَ النّشر في أيدي الكتّاب والمؤلّفين والقرّاء، والأهمُّ إزالة الرّجال العَباقرة الّذين يجلسون في المنتصف كحرّاسٍ ويقرّرون ما الّذي يُنشر وما الّذي يجب أن يُحجب.

على أيّ حال، علينا أن نتفقَ على أنْ نختلفَ. يعارضُ كثيرٌ من النّاسِ –وبقوّةٍ- النشر الذاتي لسببٍ أو لآخر. كلا النّوعين من النشر قوي، ومُتاح للجميع، وعلى هذا فإنّ الخبرَ السّارَ هو أن يتمكّن القارئ من الحصول على الكُتبِ الّتي يُريدها من مصادرَ مُختلِفة. خاصّةً، أنَ بعض مواقع بيع الكتب الإلكترونيّة كموقع: أمازون، يُتيح لك نظرةً إلى داخل كلّ كتابٍ –تقريبًا- قبلَ شرائه، وعندئذٍ، يُمكنك توجيه قرار الشّراء.

بالتّأكيد إنّ النشر الذاتي ليس للجميع، ولكن –من المؤكّد- أنّهُ خيارٌ ينبغي لجميع الكتّابِ استكشافه.

في المقالات القادمة سنكتشف مزايا كلّ من النشر التقليدي والنشر الذاتي وعيوبهما.

 هل لديك رغبة بالنشر الذاتي؟ أو هل لديك أفكارٌ أو اعتقاداتٌ حول الاختيار ما بين النشر التقليدي أو النشر الذاتي؟ هل قرأت مُؤخّرًا أحد الأعمال المنشورة ذاتيًّا؟ شاركنا أفكارك حول النشر الذاتي من طريقِ تركِ تعليقٍ!

 # النشر الذاتي By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • باختصار، هو: كتابة، وطباعة، ونشر، وتوزيع كتابك على نفقتكِ الخاصّة، من دون الاعتماد على دار نشر.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات