مقالات

بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء

بموت والدي سقط آخر جدران الحياء
بموت والدي سقط آخر جدران الحياء

بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء

بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء
بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء

بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء

        أحملُ جَسدي المَصنوع من خَزفٍ وأركضُ نحوكم، أرفعُ سقفَ شَهقاتي لألامسَ حلقَ السّماء ولا شيءَ يظهرُ إزاءَ عينيّ غير مشهدٍ أدكنٍ، وعالمٍ مُشوّه.

        ها أنا آتيكم، بعد أن فقدتُ كلّ شيء،

        أعودُ إليكم ولا أحملُ غير حصاةٍ صغيرةٍ من طموحٍ استعبدتهُ الحياة، فمات.

        آتيكم مع لعنتي الحمقاء،

        آتي وفوقَ ظهري اعوجاجٌ يُدنيني من الأرض لا لأقبّلَ تُراب الوطن، إنّما للثم حذائهِ الإسفلتيّ علّهُ يهبُ لي بعض الرّاحة.

        أخرجُ من لعنتي الّتي لا شفاءَ منها ولا موت، وآتي كلقيطٍ أوجعتهُ حرارة الشّمس وهي تصطاده على أرصفةِ من طينٍ، آتي وفي كلّ جسدي حروق الّذين دفنوا في كلّ مسامةٍ من مساماتِ جلدي شيئًا من عَرقهم الحِمضيّ الكريه.

        آتي بعد أن تَهاوى آخر جدارٍ من جدرانِ الحياءِ في صدري،

        بعد أن فقدتُ والدي.

        لم يكن يعرف أنّ هناك رجالًا عاهرات! ذوو أشنابٍ كأشنابِ الصّراصير، يحملون من الذّكورةِ خصيتين، وقضيبٍ معقوفٍ وطريّ، وبحجم البنصر، يتباهونَ برجولتهم المُخنّثة، ويُمارسون فحولتهم الهامسة على العجزةِ والمساكين والضّعفاء، يتلذّذونَ بطعمِ دمائهم السّائلة، ومشهد دموعهم وهي تحفرُ عميقًا أخاديدَ رقيقة المَظهرِ، ثقيلة الوَقعِ؛

 مع أنّهم أقذرُ من حملِ كَلبةٍ تلدُ في آخر الشّارع جنينًا مُشوّهًا لا عزَّ لهُ ولا عزَاء!

        لم يكن يعرف، أنّ هناك نسوة نبتتْ في الأرض السّوء، حتّى التصقت بهنّ قاذوراتها ونفاياتها؛ فلا يُثرنَ سوى القرفِ والغثيانِ؛ ولأنّ شيمتهنّ الرَّقص تحتَ ضرباتِ الدّف؛ فاضت رائحتهنّ الخبيثة في الأفق تنشرُ وباءً، وتبني مرضًا، وتخلقُ جيلًا مُضرّجًا بالخَطيئة.

        كم كان يُحاولُ أن يحميني من هؤلاء الفَسَقةِ،

        كان جدارًا بيني وبينهم،

        فسقط الجدار.

        كان كلّما ارتفعَ سقفُ غضبي ودّقت أجراسُ الثّورة داخلي؛ حرّضني على الصّبرِ الجَميل، وهيّأ لي من قناعاتهِ المُعتّقةِ الأصيلة، ما يَمسحُ الغُبار عن سطحي الزّجاجي؛ فأضيءُ كالبيدر.

        كان كلّما خرجَ الخصوم يتبجّحون كوطاويط من أوكارهم، ويتجمّعونَ حولي كقطيعٍ من الذّئابِ في مُواجهةٍ غير عادلةٍ مع ذاتي؛ يقفُ بيني وبينهم بكلِّ حياديَّةٍ، كحمامةِ نوحِ؛ ليُهدينا غصنَ زيتونٍ، ويوزّع ابتسامتهُ ليحفُرَ في وجوهنا شيئًا من الرّضا، وقليلٍ من القناعةِ.

        هؤلاء المنحلّون، الزّنادقة، المتعهرّون، المتحرّشون، الإباحيّون: أفسدوني، هدموا مفاهيمي الإنسانيّة، ولطّخوها بكثيرٍ من بقعِ الزّيتِ الأسود، حتّى تغيّرتُ، تغيّر كلّ ما فيّ، مِزاجي، حواسّي، وتمدّدت أعصابي كالأسلاكِ الشّائكة، ورأسي قنبلة موقوتة لا أحد يعلم متى يحدثُ الزّلزال، وتُنسف.

        حملني على كتفه سنينًا طوال، علّمني الصّبر حين كان يقتلني الانتظار، عرّفني معنى التّسامحِ، ومعنى التّعايش السّلمي، وكيف أنّ السّنديانة العالية المُثمرة، تُعدُّ ظاهرةً غريبةً في مُجتمعٍ لم يتحرّرْ من فسادهِ الدّنيويّ ورجس أخلاقهِ الزّائفة.

        سألتهُ ذات يومٍ، وأنا أُشاهدهُ يُعامل الآخرين بكلِّ تواضع الكبار وطيبةِ المُلهمين، ألا تخشى الغدر؟ قال:

‹‹لا يكفي أن تُعامل النّاسَ باحترامٍ زائدٍ ليُقال أنّك رجلٌ نبيل، بل إنّ نبلك وعظمتك في كلّ تفصيلةٍ من تفاصيل حياتك؛ ولأنّني أنتمي إلى حزب الياسمين، ومن مواطني المَدينة الفاضلة، أقول: لا، لا أخشى الغدر، وبمعنى أكثر وضوحًا: لا أخشى الإنسان››.

        أمّا أنا فأقول له: لقد غُدِرَ بي –يا أبي- مرّاتٍ عديدةٍ، لم يشفعْ لي نُبل أخلاقي، ولا كوني عضوًا في حِزبك، ومواطنًا من الدّرجة الأولى في مدينتك. عُومِلتُ كسوق عقار أُستبدلُ عندما لا يعد لوجودي فائدة، ومهما حاولتُ أن أُثبتَ ذاتي، وضعوا رأسي في قائمة المذبوحين؛ فاحترقتُ، وهُدِّمتُ، وسقطتُ عندما واجهتُ آكلي لحوم البشر.

        إن انعدام رؤيتي –يا أبي- ليس لأنّني ضعيف النّظر؛ بل إنّ الضّبابَ كثيفٌ، والعَتمة أفقدتني صوابي، وأصابتني بصداعٍ خطيرٍ، جعل الشّوك النّامي فوق ظهور البشر كالقنفذ، والبقع الّتي تُلطّخُ أجسادهم كحمار وحشي مُفترسٍ؛ تُضلِلُ طريقي، وتُطلقُ الرّصاص على جبهتي باضطهادٍ واضح الرّؤية؛ حتّى وإن كانت من أصابعَ مُرتجفة. لم يعد لمجتمعي الهَرمِ غير امتصاصِ دَمي، والتّنقيب عن حَماقاتي الصّغيرةِ، ونزواتي اليَسيرةِ. هذا المُجتمع الّذي يُجيدُ كلّ الأدوار، فهو: الرّاهبُ، والمُصلحُ، والفاضلُ، والدّرويش، والمُخرّبُ، والإرهابي، والصّعلوك، والمُصاب بالعقدِ النّفسيّة، وإشكالاتِ الهُويّة؛ هذا المُجتمع الّذي يحتاجُ إلى مصحَّةٍ عقليّةٍ علّها تهبهُ بعض الرّاحة؛ لن أخشاه، فمن لن يحترم جنوني، لن أحترمه، وسيراني –إذا أراد- بوجهِ (دراكولا)، وبدكتاتوريّة (هتلر)، وبِشَرِّ (ستالين)، وبذاءة (موسوليني)؛ فقناعُ الطّيبةِ في هذا العصر كَفَكٍّ كبيرٍ يعضُّ بأسنانهِ على وجهِ صاحبه.

         سامحني يا أبي، لم أستطعْ أن أنتفَ من جسدي ريش الكراهيّة، لم أستطعْ أن أتطهّرَ من سوادِ الحقدِ الّذي تكدّس في قلبي تجاه كلّ من أذاني وكلّ من عكّرَ حليبَ نقائي، وكلّ من تعاركَ معي عراك النّد للنّد؛ مع أنّني أضعفُ من عصفورٍ، ومخالبي ما زالت بكرٌ، وبلّور أظافري مكسور، ومن جسدي تخرجُ رائحة الظّلم.

        لا أريد بعد اليوم أن أكونَ عُشبةً ربيعيّة الفصول، لا أريد أن أظلّ أرجوحةً يتيمةً لا همّ لها سوى إسعاد الآخرين، فلا شيءَ لديّ لأخسره، لا الموت يُخيفني، ولا الفضيحة الهاربة من دارٍ كالماخور.

        بموتِك يا أبي؛

        سقط آخر جدار حياءٍ في صدري،

        وماتت صفاتي البريئة؛

        الآن، سأُطلِقُ شياطيني!

# بموت والدي؛ سقط آخر جدران الحياء By محمود قحطان

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات