مقالات

ذكريات معمارية

ذكريات معمارية

تشرَّفتُ بالعمل في أحد مكاتب الإستشارات الهندسية بفرعيه (الدَّمام، القطيف) في المملكة العربية السعودية في المنطقة الشرقية،  لمدة أربع سنوات. وسنة في اليمن، ووصلتُ إلى نتيجةٍ من خلال عملي ،
اكتشفت الآتي:

1- أنَّ الواقع العملي، لنْ أقول يختلف قليلاً، بل سأقول يختلف تماماً عمَّا تعلَّمتهُ في الجامعة، ولنْ أبالغ أنَّني عندما تخرَّجتُ وعملتُ بالمكتب، كنتُ وكأنَّني طالباً أبدأ من جديد! لذا يتبادر السؤال، ماذا قدَّمت لنا الجامعات بمناهجها العقيمة، أو فلنقل بمناهجها المستهلكة الغير جديرة بهذا العصر؟ إذن هي حقبة جديدة ومستمرة من الجمود!

2- أنَّني بعد فترةٍ في العمل، لمْ أتطور! ليس تقصيراً منِّي ، فلا أحد تأتيه فرصة أنْ يطوّر من نفسهِ ويركلها، ولكنْ لأنَّكَ ستكتشف وبالرَّغم من تنوع المشاريع من فللٍ سكنيةٍ وعمارات ومباني تجارية ومساجد ومصانع ..إلخ ، – ستكتشف – أنَّ العملية التصميمية المطلوبة منكَ واحدة، لذا من الصَّعب أنْ تتعلَّم شيئاً جديداً طالما أنَّ الواقع الاجتماعي يفرض عليكَ خصائصهُ ومعتقداتهُ الذي قدَّرها سابقًا، ولا يقبل بالتجديد أو التحديث.

3- أنَّ الرَّسام (الفلبيني) العمود الفقري للمكتب الاستشاري! بمعنى أنَّهُ يُمكن الاستغناء عنكَ كمهندس ولا يُمكن التفريط بهِ. ومثلاً من جهةِ الرواتب، يُمكن أنْ يتأخَّر راتبكَ شهرًا أو اثنين، بينما الرَّسامين لا يتأخر حتَّى يوماً واحداً! عندها تتمنَّى لو أنَّكَ رسَّاماً ربَّما تحصل على بعضِ التقدير.

4- أنَّ المهندس المعماري، هو أداة لتنفيذِ رغباتِ العميل، أي أنَّهُ في الغالب المعماري لا يُصمِّم، بل يُنفِّذ ما يتصورهُ العميل، ومهما حاولت أن توضِّحَ الفكرة التصميمية أو الأفكار الرئيسية لبعض العملاء للأسف لا يقتنعون إلاَّ بآرائهم، تحكمهم رغباتهم. يُمكن أنْ يأتي أحدكم ويقول كيف تسمح لهُ؟ فأنت المهندس ويجبُ عليكَ أنْ تتعلَّم طرق الإقناع، أقولُ لهؤلاء.. حتَّى ولو كانَ عندكَ دكتوراة بفنِّ الإقناع، لن تستطيع إبعاد العميل عن فكرتهِ طالما هو الذي يدفع ثمن خدمتكَ لهُ.

5- أنَّ جميع طلبات العملاء متشابهة، وإنْ اختلفت ببعضِ الاحتياجات الخاصَّة، يبقى التصميم تكراراً وإنْ تغيرَّت فكرة التصميم، لذا في واقعنا العربي، لا مجال للإبداع، فأغلبية العملاء يبحثون عن أقلِّ سعر، فالعميل النخبوي (عملة نادرة)، لذا عندما يُذكر الإبداع في واقعٍ كهذا، أتساءل أي إبداع فعلاً يُمكن تحقيقه، إن كانَ أقصى طموحكَ أن تضعَ الحمَّام بجانب غرفة النَّوم! ولا يُمكنكَ استخدام مواد البناء الحديثة أو إدخال عناصر بنائية جديدة في المبنى إنْ كان العميل يحدُّ من حريَّتكَ؟ أعتقد طالما أنَّني لا أتحكَّمُ بالمشروع ولا أملكُ المال لتحقيقهِ فلا مجال لنشر إبداعي.

6- كثير من العملاء (يُحقِّر) من أهميةِ المهندس المعماري ، لاعتقاد فئةٍ كبيرةٍ من العملاء، أنَّ الكمبيوتر هو الذي يُصمم، وعندما أطلبُ من العميل أن يأتي بعد أسبوع أو عشرة أيام لرؤية الاسكتش الأول، أراه يبتسم بخبث ويقول لي “لماذا، ماذا ستفعل، سأمرُّ عليكَ غدًا ودع الكمبيوتر يُصمِّم!”.

7- بالنسبة للدورات وتطوير الذات، ربَّما في السعودية لا مجال لها أو لا حاجةَ بها، ولسبب إيجابي، ماذا تحتاج كي تطور من نفسكَ؟ هل تحتاج دورة مثلاً في برنامج الماكس أو الفوتوشوب ، لا عليكَ فالمكتب يوفِّر لكَ رسَّامًا –غالباً فلبيني– للقيام بالرسم الثلاثي الأبعاد وإخراج المناظير، والحقيقة أنَّهم محترفين، فأعمالهم مميَّزة ومُلفتة؟. هل تحتاج دورة في الأتوكاد، حتَّى هذه لو لم تُجدها ليست مشكلة، فهناكَ رسَّام خاص (بالإسكتشات)، وأحياناً كثيرة مع ضغط العمل وزيادة المشاريع، لا تجد الوقت لترسم بنفسكَ، فتضطر لرسم الإسكتش ووضع الأبعاد عليه، ومن ثمَّ تمريره للرَّسام، وعادةً أيضاً، رسمهُ أسرع منكَ! إذن المهارات الفردية في استخدام البرامج تقع في المرتبة الثَّانية. والحقيقة، أصحاب المكاتب لا يهتمُّون باشتراك مهندسيهم في الدورات والمحاضرات الخاصة بتأهيلهم وتطويرهم أكثر. بالطبع لجهلهم بمدى النفع الذي سيعود عليهم من جرَّاءِ هذا.

8- في اليمن لاحظتُ أنَّ أغلبية الجمهور، يفتقد للثقافة العامة البسيطة حول مهنة المهندس، لذا نراهُ لا يستطيع أنْ يُفرِّق –مثلًا- بين المهندس المعماري والمهندس الإنشائي ، والحقيقة، بالرَّغم من أنَّ المكاتب في السعودية –عادةً– يُديرها المهندسون المعماريون، أجد في اليمن أنَّ المهندس الإنشائي (بتاع كله)، أو على الأقل هو النخبوي الأول يليه المعماري. وتعليقي ليس انتقاصًا من أهميةِ الإنشائي –المدني- ولكن المعماري هو قائد الفريق وجميع المهندسين -بلا استثناء- يأتون بعده.

9- أنَّ مهنة الهندسة المعمارية أصبحت لا تؤكل خبز، فالرَّواتب منخفضة في الخليج عمومًا، هذا ما لمستهُ في السعودية. أمَّا في اليمن، فالمكاتب للأسف ليست ذات سُمعةٍ طيبة، وإذا سألت عن أشهر مكتب يمني للتصميم –ربَّما– لنْ تجد، وبالرَّغم من أنَّني وفي ساعة هفوةٍ مع نفسي ، فكَّرتُ بافتتاح مكتبٍ خاص بي، إلاَّ أنَّ الفكرة –وأحمد الله- سرعان ما تبخَّرت بعيداً، معلنةً إفلاس المكاتب، فلا مشاريع عديدةْ، ولا مشاريع ذات صبغة إبداعية، ولنْ أبالغ لو قلتُ أنَّ الدكاترة الذين قاموا بتدريسي في الجامعة كلّ منهم صاحب مكتب …. لا يعمل!

.

.
ربَّما للذكرياتِ بقيَّة

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • @ salam،

    يا سيِّدي..
    نحن نتخرَّج من الجامعة أنصاف أميين!

    معكَ في مقترحاتكَ، إن تمَّ تنفيذها ربَّما ينصلح حال الكثير من الأمور.
    شُكرًا لمداخلتكَ يا صديقي.

  • salam

    كلامك صحيح مع الاسف، انا اشاطرك نفس الرأي، واعرف احساسك جيدا، اعتقد يجب ان تهتم الجامعات بنسبة 60 % بالعملي (السوق) و 40 % بالنظري (الدراسة) وان تسوق الطالب بعد التخرج يعني الطالب يتخرج يعرف اين يشتغل وان تقدم للطالب النصح بالنسبة لاختيار التخصص حب نظرة السوق والعمل، والافضل من كل هذا يجب ان يخضع الطالب كل سنة ينجح فيها الى تدريب خلال فترة الصيف كل حسب تخصصه…
    هذا والله اعلم…

  • @ مازن،

    سؤالكَ بالتَّأكيد ليس مُباشرًا..
    لكنَّني لم أفهم المعنى الغير مُباشر!
    هل لكَ أن توضِّحَ لي أكثر معنى السُّؤال؟

    بالطَّبع يُمكننا اللقاء..
    سأراسكَ.

    وهل تفرق الجامعة؟
    كل الجامعات العربية سوااااااااااء.

    سأنتظر تعقيبكَ يا صديقي.

  • مازن

    و أنت في أي جامعة تخرجت ؟

    …………………………………..

    لي تعقيب على سرد كلامك .. و انتبه للكلمة.

  • مازن

    آه محمود بيك إن أردت أن أقابلك فهل من سبيل ؟

  • مازن

    يا صديقي .. معليش

    ولكن ما الفرق بين الرسام و المهندس … !

  • – غربهـ،

    التشابه لا يعني أنَّ جودة التصميم مفقودة، ولكن يُصبحُ الأمر أكثر إحباطًا، عندما يكون المجتمع قد اتفقَ مُسبقًا على شكلِ التصميم داخلَ مساحاتٍ في الغالبِ لن تجدي لها أكثر من ثلاثة حلول!

    أمَّا جامعاتنا االعربية فقد قدَّمت لنا الكثير والكثير من الجهل العملي الذي يجعلنا نتخبَّطُ بعد التخرج.

    شكرًا لكِ،

  • لأول مرة..الاحظ ان البيوت لدينا تتشابه!

    محبط..أعتقد أن الكثييرين في كثير من المجالات المختلفة..
    يكتشف مثلك..أن لاعلاقة بين مادرسه وبين العمل

    والكثير يتخرج بطموح أكبر من الجبال
    ويصدم بالواقع..فيرضخ مرغما!

    أتمنى لك التوفيق..
    و..استفدت كثير من قراءة خلاصة ذكرياتك..

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات