قصائدي وأشعاري

فكر كيف ترقى إلى الأعلى

فكر كيف ترقى إلى الأعلى
فكر كيف ترقى إلى الأعلى

فكر كيف ترقى إلى الأعلى

فكر كيف ترقى إلى الأعلى؟ سؤالٌ يُلحُّ بكلّ ملحهِ وعذوبته، بكلِّ مقاعدهِ الوثيرةِ، وكلِّ الدّمِ المتُخثّر في العروق، يُلحُّ مثل قصيدةٍ شرّيرةٍ تتعاطى المواد المُخدّرة، كالأفيونِ تحقنَهُ في أبياتِها.
هكذا نحنُ، نفكر كيف نرقى إلى الأعلى؛ لكنّنا نخافُ النّارَ، نخافُ أن تُطاردنا أوهامُنا الطّيّبة ويُغطّينا حريقُ رمادها، أن نظهرَ على حقيقتنا بوبائنا الأزليّ، ووحشيّة سقوطِنا. نُحاولُ أن نُوصلَ أصواتنا إلى الملايين، أن نشقَّ صدرَ هذا الكون بخِنجرنا، لنسيلَ دفقات ضوءٍ بلّوريّةٍ تمتصُّ من الهواءِ أكسجينَ الحياة.

        هكذا؛ كنتُ أُرمّمُ قلبيَ المُتشقِّق، وأُسارعُ في حرقِ كلِّ مُحاولاتِ اغتيالي، إلى أن عَجزتُ عن اللّحاقِ بالدّخان! أُسوّغُ لنفسي كلّ العمليّات الجراحيّة الّتي أُجريها لذاتي ولكلّ من حَولي، حتّى أرهقتني الجراحُ. عند ذلك أيقنتُ سوء الشّعاراتِ الّتي ردَدتُها، والعنترياتِ الّتي ادّعيتُها، وكلّما حاولتُ الصّراخَ؛ تجُرّني أنفاسي إلى الأسفل!

        بعدَ أنْ حَبطَتْ مُحاولاتي حبوطًا، وذهبَ سَعي جفاءً، وكانَ بغيرِ طَائلٍ ولا فائدة؛ فُوجئتُ باتّصالٍ من أحدهم على الهاتفِ الخَلَوِيّ، قال لي: “هذه الأمسيةُ، ستكون أمسيةً مجنونةً!”.
دُهشتُ أيّ جنون هذا؟! وأنا من بداية تكويني لم أتقيّد بالإشاراتِ الضّوئيّةِ، ولم أمشِ في يومٍ ما على الصّراطِ المُستقيم!
إنّني الجنون!ّ
قلتُ لهُ وأنا أهرشُ رأسي: هذا قرارٌ كبيرٌ يا سيّدي، فالحريّة الّتي أملكها هي مأزقي الشّخصيِّ، وما اعتدتُ أن أموتَ وأنا في آخر الشّوطِ.
قال: “لا تمشِ على الصّراط المُستقيم، فهو لا يُوصل إلى الجنون؛ فالخطوط الأفقيّة لا يُمكنها أن تُؤامِرَ في الصّعودِ؛ لكن فكّر كيف تَرقَى إلى الأعلى“.
أغلقَ الهاتفَ، وترك مصيري المصبوغ بألوان قوس قُزح بيديّ، قرّرتُ أن لا أفعلَ شيئًا، سوى النّظر إلى الأعلى، أُوَاجهُ حساسيّتي المُفرطة تجاه المُرتفعاتِ والأبراج العالية، وأتركُ رائحةَ الأعشابِ الأرضيَّةِ على الأرضِ، وبدأتُ بإنشاد قول زُهير:

ومن هاب أسباب المنايَا ينلْنه
وإن يرق أسباب السماء بسلّم

حتّى تمدّدَت ذراعاي، وطارا كحمامِ الزَّاجِلِ، وتنفّستُ الصّبحَ إلى أن صار نهارًا بيّــنـًا، ووجدتُ نفسي على رصيفِ السّماءِ، أرفُضُ أن أبقى عازبًا إلى الأبد، أو زوجةً لا يُمكنها الخروج من بيتِ الطّاعةِ، أظَلُّ أُراقبُ المُلاكمين يتنافسونَ على قمّةِ الأعلى وحدهم؛ لذلك لبستُ حذائيَ اللّمّاع، وبدلتي السّوداء (سموكنج) وربطة العنق، وذهبتُ بكلّ (جنتلمانيّة) إلى حائط الأعلى:أُعَلِّقُ صُورتي!

فكر كيف ترقى إلى الأعلى
فكر كيف ترقى إلى الأعلى

فكر كيف ترقى إلى الأعلى By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات