مقالات

كلمة عن عمود الشعرِ العربي

تعريفُ عمود الشّعر:

جاء في لسان العرب: “العمود: الخشبةُ التي يقوم عليها البيت”. فعمود الشّعر يعني خصائصَ الشّعرِ العربي وقواعد النّظم والأسلوب الّتي يقوم عليها، وذلك بالمُحافظة على أسلوبِ القصيدة العموديّة ذات الشّطرين وما فيها من وحدةِ الوزن والقافية.

لخّص أبو علي المرزوقي مَعايير عمود الشّعر عند العرب في سبعة أبوابٍ حيثُ قال:

“إنّهم كانوا يُحاولون شرفُ المعنى وصحّتُه، وجزالةُ الّلفظ واستقامتُه، والإصابةُ في الوصف، والمُقاربةُ في التّشبيه، والتحامُ أجزاءِ النّص والتئامُها على تخيّرٍ من لذيذ الوزن، ومناسبةُ المُستعارِ منه للمُستعار له، ومشاكلةُ الّلفظ للمعنى، وشدّةُ اقتضائهما للقافيةِ حتّى لا مُنافرة بينهما”.

وعقّب المرزوقي على ذلك بقوله:

“فهذهِ الخصالُ عمودُ الشّعرِ عند العربِ، فمن لزِمَها بحقّها وبنى شعرَه عليها، فهو عندهم المُفلِق المُعظّم، والمحسن المقدم. فبقدْر سُهمتِه منها يكون والمُحسِن المقدَّم، ومن لم يجمعها كلّها فبقدر سُهْمتِه منها يكون نصيبُه من التقدّم والإحسان، وهذا اجماعٌ مأخوذٌ به ومُتّبعٌ نهجُه حتّى الآن”.

وكما حفظَ ترتيبُ القصيدةِ شكلَها الخَارجي، فقد حَفِظتْ هذه الأبوابُ تركيبَ القصيدةِ والبيتِ والقَافية. ففي القصيدةِ كانوا يتوخّون نوعًا من الوحدةِ تربطُ أجزاء القصيدة وتجمعُ شَتَات الموضوعات فيها، وقد رُويَ عن خلف الأحمر أنّه قال:

“أجودُ الشّعر ما رأيته مُتلاحم الأجزاء، سهل المَخارج فتعلم من ذلك أنّه قد أُفرغَ إفراغًا واحدًا، وسُبكَ سبكًا واحدًا فهو يجري على الّلسان كما يجري الدّهان”.

وإلى مثل هذا الرّأي ذهب الآمدي والجَاحظُ وابن قُتيبة.

وقد شبّه الحاتمي القصيدة بقوله:

“مثلُ القصيدةِ مثلُ الإنسان في اتِّصَالِ بعضِ أعضائه ببعض؛ فمتى انفصلَ واحدٌ عن الآخر وبَايَنَهُ في صِحَّة التركيب، غادرَ الجسمَ ذا عاهَةٍ تتخوَّنُ محاسنَه، وتُعَفي معالِمَه”.

وكان الرّواة وشيوخ الّلغة يُفضّلون البيتَ التّامَ المُستغنَى بمعنَاهُ عن غيرهِ، فقد أوردَ بن سلام الجَمحي:

“أنّ الفرزدقَ أفضل من غيره عن بقيّة الشّعراء في أنّه كان أكثرهم بيتًا مُقلّدًا”

والمُقَلّد هو البيتُ المُستغني بنفسهِ المشهورُ الّذي يُضرَبُ بهِ المَثل، وذلك لحاجتهم إلى شواردِ الأبياتِ وسوَائرِ الأمثالِ، وهذا الرّأي يذهبُ إليه الآمدي والقاضي والجرجاني.

أمّا القافية، فالشّعر الجيّدُ عندهم ما إذا سُمعَ صدرَ البيتِ منهُ عُرِفتْ قافيتَه، فكأنّ السّامع يكون مُرتقبًا لها.

إنّ طرق التّعبير والأداء في القصيدة الجاهليّة الّتي اصطُلحَ عليها اسمُ عمودِ الشّعرِ بَقيتْ المنظار الّذي يُميّز فيه الرُّواة جيّدَ الشّعرِ من رديئه، ولمّا كانَ الشّعرُ الأُمويُّ لا يختلف في طبيعتهِ وموضوعَاتهِ عن الشّعرِ الجَاهلي لدرجة أنّ أبا عمرو بن العلاء قد همّ أنْ يأمُرَ صبيانَهُ بكتابته، فإنّ مَقاييس عمود الشّعرِ ظلّت وافية بالغَرض.

أمّا في العصر العبّاسي حين تبدّل الذّوق الأدبي، واتّسعتْ آفاقُ الشّعراءِ بفضل الثّقافات الوافدة، وتنوّعت أساليبُ العصرِ، هناك طائفةٌ من الشّعراءِ أشاحت عن القَديم وتطلّعت إلى شيءٍ من التّميّزِ والتّجديد، واستطاعتْ أن تأتي بنوعيّةٍ أُخرى من الشّعرِ قادرةٌ على انتزاعِ الإعجابِ وتلبيةِ أذواق النّخبة من النّاس، فهذا أبو نُوّاس يتخصّصُ في موضوعِ الخَمر، وأبو العتاهية يتخصّصُ في الزّهد.

ثُمّ إنّ بشّار بن برد وأبا نُوّاس ومُسلم بن الوليد رأوا هذه الأنواع الّتي تُسمّى بالبديع وهي “الاستعارةُ والطّباقُ والتّجنيس” منثورةً ومُتفرّقةً في أشعار المُتقدّمين فقصدوها وأكثروا منها، ثُمّ إنّ أبا تمّام حاولَ التّجديدَ في طبيعةِ الاستعَارةِ والطّباق، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض.

إنّ مذهبَ أبي تمّام في الاستعارةِ حيثُ جعلَ وجه الشّبه بين المُستعارِ منهُ والمُستعارِ لهُ أعزّ مطلبًا قد تفلّت من عَمود الشّعر، ولم يستطعّ الرّواة تذوّق شعرَ أبي تمّام بواسطة منظارهم المرتبط بالقَديم، وليس غريبًا أن يُصنّف ابن الأعرابي شعرَ أبي تمّام بقوله: “إن كان هذا شعرًا فكلامُ العربِ باطل”.

وقد انقسم النّاسُ إزاءَ شعر أبي تمّام إلى فريقين:

1- فريقٌ فضّل أبا تمّام، وهم أهلُ المَعاني والشّعراءُ أصحابُ الصّنعةِ ومن يميلُ إلى التّدقيق وفلسفي الكَلام.

2- أمّا الفريقُ الآخَر فقدْ ظلّ يَرى المثلَ الأعلى في الشّعر الجَاهلي، وهؤلاء همُ الرّواة وشيوخُ الّلغة.

ولمّا جاء البُحتري بالشّعر السّهل دون أن يُخالف عمودَ الشّعر تعصّب لهُ الّلغويّون وأنصارُ الشّعرِ القديم، وكذلك ذهب الآمدي إلى ذوقِ أنصارِ الشّعرِ القديم في تفضيل طريقة البُحتري الشّعرية والالتزام بعمودِ الشّعر.

وقد كانَ أبو تمّام أدقُ تعبيرًا عن ذوق القرن الثّالث الهجري الحضاري من شعرِ البُحتري الّذي تعودُ أصولهُ إلى التّراث، وهناك من يرى أنّ مثلَ هذه النّظرةُ إلى الشّعرِ على أنّهُ تُراثٌ جماعيٌّ تُلغي المَوهبة الفرديّة، وتحوُل دونَ المُحاولات التّجديديّة فيه، وأنّ عمودَ الشّعرِ يجبُ أنْ يُستخلَصَ من روائعِ الآثارِ بغضّ النّظر عن قلّتها بالقياس إلى غيرها، وكانَ يجبُ أن يُنظرَ إلى أبي تمّام من طريقِ روائعهِ لا من طريقِ عمودِ الشّعر، فقد كان -كما أسلفنا- أصدقُ تعبيرًا عن مطالبِ العصرِ العبّاسي الحضاريّة، وأكثرُ تلبيّةٍ للذّوق العَالي عن (الأرستقراطيّة) الفكريّة الّتي تمثّلت في أهلِ المَعاني وفلسفي الكلام. كما يَرى بعضُ النّقادِ إنّه كان على الّذين نقدُوا أبا تمّام أن ينظروا لتغيّرِ الذّوقِ في العصرِ العبّاسي عمّا قبله، وأن ينظروا إلى شعرِ أبي تمّام انطلاقًا من قدرتهِ على التّعبير عن هذا التّغيير.

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات