مقالات في العمارة والأدب والحياة

تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.. هل سقطت المقولة في زمن الذئاب؟

تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ هذه المقولة الّتي رضعناها مع حليب الأمهات، وتوارثناها كدستور أخلاقيٍّ صارمٍ، أصبحت اليوم سوطًا يجلدُ الضّحيّة ويُبرّئ الجلّاد. فكيف لي أن أستخدمها لأُدينَ امرأةً، ولا أَسألُ عمّن أجبرها أن تقتات بما هو أفظع؟ وكيف نطلب من الغَرقى أن يسبحوا بمهارةٍ ونحنُ من ثقبنا قواربَهم؟

حين نشرتُ قصيدتي رسائلٌ من امرأةٍ عارية، لم أكن أتوقّع تلك العاصفة الهوجاء من النّقد؛ فقيل إنّها رسالةٌ تُبيح العُري وتُشجّع عليه، وإنّها تتماهى مع تسويغاتِ الإعلام لكلّ ساقطةٍ تذرفُ دموع التّماسيح. وقيل إنّ الشِّعر رسالةُ سموٍّ، وثوبٌ طاهر يسترُ عيوب الأُمّة، ولا يجوز له أن يكشف سوءاتها أو ينبشُ في وحلها.

هل ما زالت تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؟

أنا لا أنكرُ نُبلَ الغايةِ منَ الشِّعر؛ ولكن هل وظيفة الأدب هي التّجميل فقط؟ أم أنّ دوره الحقيقيّ يكمنُ في وضع الملحِ على الجرحِ ليتعافى؟ لماذا نغضُّ الطّرفَ عن واقعٍ ملموسٍ يصرخُ بالألم؟ ولماذا يُحظَرُ عليَّ أن أتناول حالةً قائمةً بأسلوبي الخاص؟ إنّ التّستّر على المرضِ لا يعني الشِّفاء منه، بل يعني تفاقمه في الخفاءِ حتّى يفتكَ بالجسدِ كلّه. الفضيلةُ لا تعني إغلاق الأعين عنِ الرّذيلة، بل تعني فَهم أسبابها لاجتثاثها من جذورها.

مقالات ذات صلة

هي صرخةُ معاناةٍ لامرأة، قد تكون واحدةً من ملايين النّساء في عالمنا العربيّ؛ ومهما اجتهدَتْ هذه المرأة في تسويغِ سقوطها، فإنّ عقولنا المبرمجة لن تُحاول الفَهم أو التعقّل؛ لأنّنا ندركُ قداسةَ الشّرفِ وقيمةَ الإرثِ الأنثويّ الّذي لا يُفرَّطُ فيه. لكن علينا أن نعترفَ أنّنا إزاء أزمةِ وعيٍ كُبرى؛ أزمةٌ تجعلنا نرى النّتيجة ونعمَى عن السّبب. إنّ الفضيلة سهلة جدًّا حين تكون البطون مُمتلئة، والجيوب عامرة، والأسقف آمنة؛ ولكن الاختبار الحقيقيّ للشّرف يكون حين يعضّ الجوع بأنيابه، وحين يُصبح الخيار بين الموت جوعًا أو الموت أخلاقيًّا.

لذا، أنا لا أُدافع عن الرّذيلة، فالخطيئةُ لا تُسوَّغ، بل أردتُ تسليط الضّوء على قضيّةٍ اجتماعيّةٍ موجودة -شئنا أم أبينا-. حاولتُ إضفاء بُعدٍ إنسانيِّ للنَّصِّ لتحريكِ العاطفة بحثًا عن حلٍّ، ولأعرض رؤيتي لواقعٍ يسقطُ فيه الضُّعفاءُ فريسةً لذئابٍ بشريّةٍ تتستّرُ خلف أقنعةِ الفضيلة.

من الّذي صنعَ السّوق؟

علينا أن نتساءلَ بشجاعةٍ: من الذي أوجد هذا «السّوق»؟ إنّ قانون العرض والطّلب يسري حتّى في أسواق النّخاسة الجديدة. لو لم يكن هناك «مشترٍ» يملكُ المال والنّفوذ والرّغبة المُحرّمة، لما وجدت تلك «السّلعة» طريقًا للرَّواج. إنّ هذه الذّئاب هي الّتي صنعتِ السّوق، وهي الّتي حدّدت السِّعر، وهي الّتي اشترتِ البضاعة، ثم عادت لتخطبَ في النّاسِ عن الشّرف! نحنُ نحاسبُ الطّرفَ الأضعفَ في المعادلة، الطّرف الّذي يبيع روحه ليبقي على رمق حياته، ونترك الطّرف الأقوى الّذي يشتري المتعة ليزيد من رفاهيَته.

النِّفاق الاجتماعيّ وتبرئة الذّئاب

أنا لا أستسيغ السّقوط ولا أُشرعنه، بل أعرّي الحقيقةَ الثّقيلةَ والمُخيّبة للآمالِ. فلماذا تُلام تلك «العارية» وحدها، ويُبرّأ الذّئب الّذي هوى بها إلى قاعِ الرّذيلة؟ لماذا نجلدُ من شربت من نهر الخطيئة عطشًا، ونتركُ القابع خلف ستائر الشّرف المزعوم؟ ما أجبن أولئك الّذين يخلعونَ ثوب براءتهم ليلًا ليغرسوه خنجرًا في عينيك نهارًا! إنّها ازدواجيّةٌ مَقيتةٌ تجعل من الجلّاد قاضيًا، ومن الضّحيّةِ متّهمًا وحيدًا.

نحنُ نعيش زمنًا فوضويًّا عبثيًّا، تتكالبُ فيه المصالح، ونُواجه طوفان فقرٍ مُمنهجٍ يذلّنا، ويسلبنا كرامتنا قطعةً تلو الأخرى. إنّ الفقر ليسَ مجرّد جوعٍ للمال، بل هو بيئةٌ خصبة لنموّ الانحراف. وإنّني لا أعتقدُ أنّ غالبيّة النّساء يسلكنَ هذا الدّرب تسليةً، بل أرى الكثيرات مُرغماتٍ، تلاحقهنّ عقدة الذّنب، مدفوعاتٍ بجهلٍ، وتدنٍّ في الوعي، وبيئةٍ اجتماعيّةٍ قاسيةٍ لا يدرك قسوتها المترفون الّذين لم يذوقوا مرارة الحاجة.

علينا أن نكفّ عن دفن رؤوسنا في الرّمال، وأن نتوقّف عن ترديد «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» دون أن نوفّر لتلك الحرّة رغيف الخبز الّذي يغنيها عن أكلِ لحمها. فإلى متى سنظلّ نشحذ السّكين لذبح «النعجة» الّتي ضلّت الطّريق، ونترك «الذئب» الّذي افترسها طليقًا؟

وكما قال المنفلوطي بإنصافٍ وبصيرةٍ نافذة: في كتابه (النظرات):

ارحم المرأة السّاقطة، لا تزين لها خلالها ولا تشتر منها عِرضها.. ليت الرّجال يتّفقون جميعًا على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشّريفة كلّ امرأةٍ ساقها فقرها.. إلى البَغاء. مصطفى لطفي المنفلوطي

اللّهم نسألكَ السّتر والعافية في الدّنيا والآخرة.

# تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها By محمود قحطان،

محمود قحطان

باحث دكتوراه واستشاريّ في الهندسة المعماريّة. مُدقِّقٌ لُغويٌّ، وشاعرُ فُصحى. أحد الشُّعراء الَّذين شاركوا في موسم مُسابقة أمير الشُّعراء الأوّل في أبوظبي، حيثُ اختير ضمن أفضل مئتي شاعر من ضمن أكثر من (7500) شاعرٍ من جميع أنحاء العالم. نُشِرت عنه رسالة ماجستير، ونُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وتُرجِم بعضها. أصدرَ أربعة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!