غير مصنف

دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان

العمارة بوصفها وعاء للوجود وسعادة الإنسان

اقرأ في هذا المقال
  • دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان
  • مَدخلٌ فلسفيٌّ: العمارةُ غايةُ الاستخلافِ وتنميةِ الأرضِ
  • الكعبةُ المُشرَّفةُ: النّموذجُ الأوّلُ للعمارةِ المرتبطةِ بالرِّسالةِ
  • العمارةُ كوعاءٍ للأنشطةِ الإنسانيّةِ: هندسةُ الاحتياجاتِ اليوميّةِ
  • لنتأمّل معًا صيرورةَ الحياةِ بوساطة دور المعماري وفلسفةِ الاحتياجِ المكانيِّ:
  • دور المعماري وفلسفتهُ ومسؤوليّتُهُ: من تفهّمِ الاحتياجِ إلى صناعةِ الجودةِ
  • العمارةُ: منَ الفطرةِ الوجوديّةِ إلى بناءِ الأمةِ والدولةِ

دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان

مَدخلٌ فلسفيٌّ: العمارةُ غايةُ الاستخلافِ وتنميةِ الأرضِ

لم يكن وجودُ الإنسانِ على هذا الكوكبِ عبثًا أو مجرّدَ مصادفةٍ كونيّةٍ، بل جاء ضمنَ منظومةٍ إلهيّةٍ غايتُها الأسمى هي «الاستخلافُ» في الأرضِ. في قلبِ هذه المنظومةِ الواسعة، يبرزُ دور المعماري كعاملٍ حاسمٍ في ترجمةِ غايةِ الاستخلافِ إلى واقعٍ ماديٍّ ملموسٍ ومساحاتٍ تنبضُ بالحياة. فمنذُ اللّحظةِ الأولى الّتي أعلنَ فيها الخالقُ -سبحانَهُ وتعالَى- للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، كان هذا الإعلانُ الكونيُّ إيذانًا بانطلاقِ مُهمّةِ الإعمارِ والتّنميةِ. الإنسانُ، في المنظورِ الحضاريِّ العميق، ليس مجرّدَ كائنٍ بيولوجيٍّ يستهلكُ مواردَ الطّبيعةِ من أجل البقاءِ، بل هوَ مُطالَبٌ شرعًا وعقلًا وفطرةً بتحمّلِ مسؤوليّةِ ترقيةِ هذه الأرضِ، وتطويعِ قسوتها، وتحويلها من مساحاتٍ موحشةٍ إلى بيئاتٍ تحتضنُ الحياةَ.

لغويًّا، ترتبط كلمة «العمارة» بجذر الكلمة «عُمُر»، وكأنّ فعل البناء بحدّ ذاتهِ هو إضفاءٌ للحياةِ والزّمن على المكان الجامد. الإنسانُ البدائيّ بدأ رحلته بالبحث عن «المأوى» في الكهوفِ ليحتمي من غضبِ الطّبيعةِ؛ ولكنّه سرعان ما ارتقى بوعيه ليحوّل المأوى إلى «عمارة». هذا الانتقالُ من مجرّدِ البحثِ عن سقفٍ يحميه، إلى مساحةٍ تُعبّر عن هُويّتهِ وذوقهِ وانتمائهِ، هو ما يفصِلُ بين البناء المادّي المجرّد، والعمارة كفنٍ وفلسفة.

«العمارةُ فكرةٌ إنسانيّةٌ مُتجذّرةٌ في فطرةِ الإنسانِ، ترافِقُهُ في كلِّ مَراحلِ حياتِهِ، وتترجم أفكاره إلى حجرٍ ناطق».

من هنا، تبرزُ العمارةُ بوصفِها الأداةَ الأهمّ والأعمقَ لتحقيقِ هذا الاستخلافِ؛ فهي ليست مجرّدَ رصٍّ للأحجارِ، أو صبٍّ للخرسانة، أو تشييدٍ للجدرانِ الصّمّاءِ لتوفيرِ مأوى مادّي. بل هي تجسيدٌ ماديٌّ وفلسفيٌّ لمسؤوليّةِ الإنسانِ تجاهَ كوكبِهِ وتجاهَ ذاتِهِ. العمارةُ هيَ «اللّغةُ الثّلاثيّة الأبعاد» الّتي يترجمُ بها الإنسانُ خِلافتَهُ إلى واقعٍ ملموسٍ، يقرأه من يأتي بعده.

human nature architecture connection - دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان

العِمارةُ فكرةٌ إنسانيَّةٌ مُتجذّرةٌ في فطرةِ الإنسانِ، ترافِقُهُ في كلِّ مَراحلِ حياتِهِ

الكعبةُ المُشرَّفةُ: النّموذجُ الأوّلُ للعمارةِ المرتبطةِ بالرِّسالةِ

عندما نتأمّلُ تاريخَ البناءِ الإنسانيّ باحثين عن الجذورِ، نجدُ أنّ أسمى النّماذجِ الّتي ربطت «المبنى» بـ «المعنى»، ودمجتِ الهندسةَ الماديّة بالرّسالةِ الحضاريّةِ والرّوحيّة، هي الكعبةُ المُشرّفةُ؛ فحينَ أصدرَ اللهُ -عزّ وجلّ- أمرَهُ لخليلهِ إبراهيمَ وابنهِ إسماعيلَ -عليهما السّلامُ- برفعِ القواعدِ منَ البيتِ، لم يكنِ الهدفُ مجرّدَ تشييدِ كتلةٍ هندسيّةٍ مكعّبةِ الشّكلِ في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا ماءَ فيه ولا حياة. بل كانَ التّأسيسَ لـ «مركزٍ رُوحيٍّ وحضاريٍّ» تنبثقُ منه الحياة، وتتطوفُ حولَهُ أفئدةُ البشريّةِ وأجسادُهم إلى يوم الدّين.

لقد اختارَ الخالقُ لهذا المبنى أيسرَ الأشكالِ الهندسيّةِ وأكثرها استقرارًا (المكعّب)؛ ليكون نقطةَ الثّبات والسّكينة في عالمٍ يموجُ بالمتغيّرات. هذا البناءُ اليسيرُ في خطوطهِ، والعميقُ في رمزيّته، أوجدَ حوله مجالًا مغناطيسيًّا روحيًّا يجذبُ ملايين البشر، ونظّم جغرافيّة العالم بأسرهِ بوساطةِ تحديد «القبلة».

إنّ عمارةَ الكعبةِ تُعدّ النّموذجَ الأوّلَ والأنقى لـ «العمارةِ الرّساليّةِ»؛ إذ ارتبطَ البناءُ بالعبادةِ، وبالتّنظيمِ المجتمعيّ، وببدايةِ صياغةِ الحضارةِ حولَ مركزٍ مقدّسٍ يُوحّد البشرَ متجاوزًا لغاتهم وأعراقهم؛ ليضعَ حجرَ الأساسِ لماهيّةِ دور المعماري الرّساليِّ الّذي يربطُ الأرضَ بالسّماء. إنّها تُعلّمُنا درسًّا معماريًّا بليغًا: أنّ كلّ جدارٍ يُرفعُ يجبُ أن يحملَ خلفَهُ غايةً، وكلّ بابٍ يُفتحُ يجبُ أن يُفضيَ إلى معنى وسكينةٍ. فالعمارةُ هنا لم تكن مأوىً للجسدِ فحسب، بل كانت وعاءً لروحِ الأمّةِ، وبوصلةٍ لتطلّعاتِها العابرةِ للزّمانِ والمكانِ.

kaaba architecture spiritual center - دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان
الكعبةُ المشرَّفةُ: النَّموذجُ الأسمى للعمارةِ المرتبطةِ بالرِّسالةِ والحضارةِ.

العمارةُ كوعاءٍ للأنشطةِ الإنسانيّةِ: هندسةُ الاحتياجاتِ اليوميّةِ

ممّا قيل في الأثر المعماري: «نحن نُشكّل مبانينا، وبعدئذٍ، مبانينا تُشكّلنا». تتجلّى روعةُ العمارةِ وحتميّتُها في كونها «الوعاءَ الحاوي» الّذي يحتضنُ، ويُنظّمُ، ويوجّه تدافعَ الحياةِ اليوميّةِ بكلِّ تفاصيلِها المعقّدةِ؛ إذ يبرزُ دور المعماري كمُنظّمٍ لهذا التّدافعِ الحيويِّ وضابطٍ لإيقاعِ الفراغِ. الإنسانُ في رحلةِ حياتهِ كائنٌ ديناميكيّ مفعمٌ بالأنشطةِ المختلفة، وكلُّ نشاطٍ إنسانيٍّ -مهما بدا يسيرًا- يحتاجُ، بالضرورةِ، إلى حيّزٍ، وفراغٍ، وفضاءٍ هندسيٍّ يُلائمُ طبيعته ويحتوي انفعالاته.

لنتأمّل معًا صيرورةَ الحياةِ بوساطة دور المعماري وفلسفةِ الاحتياجِ المكانيِّ:

في مستهل الحياة، يحتاجُ الإنسان إلى «البيتِ السّكنيّ». البيتُ ليس مجرّد سقفٍ وجدران تقي من البردِ والحرّ، بل هو «الملاذ» ومصنع الذّكريات الأوّل. العمارة هنا مُطالبة بإنشاء تدرّج بين الفضاء العام الصّاخب (الشّارع) والفضاء الخاصّ الحميميّ (الدّاخل). يُتيحُ البيتُ السّكن النّفسيّ، والخصوصيّة، والرّعاية؛ ليصبح الحِضن الدّافئ الّذي تنمو فيه جذور العائلة.

مع مرحلةِ النموِّ واتّساع الإدراك، يخرج الطّفل إلى «المدرسةِ». هنا لا يعود الفضاء المعماريّ مقتصرًا على الحمايةِ، بل يُصبح أداةً تربويةً. تصميم المدرسة المعتمد على الإضاءة الطّبيعيّة، والتّهوية الجيّدة، والسّاحات المفتوحة، والممرّات الانسيابيّة، يُعدّ فضاءً معماريًّا يُحفّزُ النموّ العقليّ والاجتماعيّ، ويُشجّع على الفضولِ المعرفيّ والتّفاعل الإيجابيّ مع الأقرانِ، على عكس المدارسِ الكئيبةِ الّتي تُشبه السّجون وتقتلُ الإبداع.

حين يشتدّ العود وتأتي مرحلةِ الإنتاجِ والسّعي، تبرزُ الحاجةُ إلى «المصنعِ» أو «مقرّ العمل». التّصميم المعماريّ هنا يجب أن يُلبّي احتياجاتِ الاقتصادِ والإنتاج؛ ولكنه في الوقتِ ذاته يجبُ أن يحترمَ آدميّة العامل والموظّف. إتاحة بيئة عملٍ مريحةٍ، وتقليل الضّوضاء، وإيجاد مساحاتٍ للتّواصل؛ كلّها حلولٌ معماريّةٌ ترفعُ من الكفاءةِ وتُقلّل من الإرهاق.

في أوقاتِ الضّعف والمرضِ، يلجأ الإنسان إلى «المستشفَى»، وقد أثبتت الدّراساتُ الحديثةُ ما يُعرف بـ «عمارة الاستشفاء»؛ إذ يُؤدّي التّصميم دورًا مباشرًا في سرعةِ علاجِ المريض. الألوانُ الهادئةُ، وتقليلُ الضّجيج، وإطلالاتُ الغرفِ على مساحاتٍ خضراء، والّسماح بدخولِ أشعّة الشّمس العلاجيّة؛ كلّها تجعل من المستشفى فضاءً مدروسًا بعنايةٍ لاستعادةِ العافية وتقليل رهبةِ المرض.

لا ننسى أنّ النّفس البشريّة تملّ وتحتاجُ إلى التّرويح لاستعادةِ الشّغف، وهنا تأتي أهميّة الفراغات العامّة، مثل «الحدائقِ والمتنزّهات والميادين». هذه الفضاءات المفتوحة هي رئةُ المدُن والدّيمقراطيّةِ العمرانيّةِ الحقيقيّةِ؛ إذ الطبقات وتتجمع العائلات للترفيهِ وتنفّسِ الأرواحِ خارج الصناديق الخرسانية.

urban design human needs architecture - دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان
تكمنُ شُموليّةُ دورِ المعماريِّ في إدراكهِ أنَّ كلَّ نشاطٍ إنسانيٍّ يحتاجُ إلى مسرحٍ مكانيٍّ يُناسبُ طبيعتَهُ

حتَّى عندما يتجاوز طموحُ الإنسانِ سطحَ الأرضِ نحو الأعماقِ المظلمةِ (كمختبرات ما تحتَ البحرِ) أو الآفاقِ البعيدة (كمحطّاتِ الفضاءِ الدّوليّة)، تظلّ الحاجةُ ماسّة ومصيريّة إلى «فراغٍ معماريٍّ» مدروسٍ بدقّةٍ متناهيةٍ يحميهِ من بيئاتٍ قاسيةٍ وغير صالحةٍ للحياةِ بطبيعتها؛ إذ يتجلّى دور المعماري هنا مهندسًا للبقاءِ وصانعًا للبيئاتِ الآمنةِ في أقسى الأوضاع. العمارةُ إذن هي النّسيجُ غيرُ المرئيّ الّذي يربطُ جميعَ هذه الأنشطةِ والمراحل، ويجعلُ منَ الحياةِ الإنسانيّةِ سيمفونيةً متناغمةً يُمكن عزفها على مسرحِ الوجودِ بفضل دور المعماري في فهمِ كينونةِ الإنسانِ واستيعابِ تطلّعاتِهِ

دور المعماري وفلسفتهُ ومسؤوليّتُهُ: من تفهّمِ الاحتياجِ إلى صناعةِ الجودةِ

في خضمّ هذا التّنوّع الهائل للاحتياجاتِ، يبرزُ دور المعماري الجوهري، والخطير أحيانًا. إنّ المعماريّ النّاجح والمُدرك لرسالتهِ ليس مجرّدَ تقنيٍّ يجيدُ استخدامَ برامجِ الرّسمِ الهندسيّ (CAD)، أو حاسبًا آليًّا لقوانينِ الجاذبيّةِ وتوزيع الأحمال؛ بل هو في المقام الأوّل باحثٌ في النّفسِ البشريّةِ وسيكولوجيّة الفراغ، وعالمُ اجتماعٍ يقرأُ حركةَ المُجتمعِ وعاداته، وفنانٌ يصوغُ الفراغَ ويتحكّم في مساراتِ الضّوءِ والظّل.

مُهمّةُ المعماريِّ الحقيقية تتجسّدُ في قُدرَتهِ على استيعاب «الاحتياجِ المجرّدِ والاحتياجِ غير المنطوقِ للعميل» وتفكيكه (كالحاجةِ إلى الأمانِ، أوِ الانتماء، أو التّركيز)؛ وبذلك يتجلّى دور المعماري في تحويلِ الفكرِ والخيالِ إلى «حلٍّ مكانيٍّ ملموسٍ» (كالبيتِ الآمن المريح، أوِ المدرسةِ المُلهمةِ الّتي تبعثُ على التّفاؤلِ. عندما يُصمّمُ المعماريُّ مبنىً، هو فعليًّا يتحكّم في حركةِ النّاس بداخله: يُوجّه أنظارهم نحو إطلالةٍ مُعيّنةٍ عبر نافذة، ويجبرهم على التّمهّل بوساطةِ تصميمِ ممرٍّ ضيّقٍ أو درجٍ حلزونيٍّ، أو يشرحُ صدورهم ببهوٍ واسعٍ ومفتوحٍ للسّماء.

«دور المعماري ومسؤوليّته أعمق من رسم واجهات جذّابة؛ عليهِ أن يفهمَ طبيعةَ الإنسانِ: كيفَ يعيشُ، وكيفَ يفكّرُ، وكيفَ يتحرَّكُ، وكيف يتفاعلُ مع محيطه؛ ليترجم كلّ ذلك إلى حلولٍ عمليّة، ومُستدامة، وجميلة».

إنّ جودةَ الحياةِ، الّتي باتت هدفًا استراتيجيًّا للحكوماتِ والمجتمعاتِ الحديثة، ترتبطُ في جوهرِها، بجودةِ العمرانِ والفراغاتِ الّتي نحيا فيها. العمارةُ ليست مجرّدَ زينةٍ قشريّةٍ أو مظاهرَ للتّرفيهِ الاستهلاكيّ، بل هي المُحدّدُ الأساسيُّ لراحتِنا النّفسيّةِ والصّحيّة. المدُن الّتي تفتقرُ إلى التّخطيط الإنسانيّ وتطغى عليها العشوائيّة الإسمنتيّة تصنع أفرادًا أكثر عرضة للقلقِ والاكتئابِ والعزلة. في المقابل، كلّما كانَ المعمارُ جيّدًا، ومدروسًا بيئيًّا، ومتناغمًا مع مقياس الإنسان واحتياجاتهِ، زادت معدّلات سعادةُ الفردِ، وانخفضت معدّلات الجريمة، وارتقَى المجتمعُ بأكمله. لذا، يُمكن القول بثقةٍ وبلا مبالغةٍ إنّ المعماريَّ هو «صانعٌ مباشرٌ» لسعادةِ أو تعاسةِ البشر الّذين يقطنونَ أعماله.

architect discussing design with clients - دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان
مُهمّةُ المعماريِّ أنْ يحوّلَ هذهِ الاحتياجاتِ إلى حلولٍ مِعماريَّةٍ عمليَّةٍ وجميلةٍ

العمارةُ: منَ الفطرةِ الوجوديّةِ إلى بناءِ الأمةِ والدولةِ

خلاصةُ القولِ، إنّ العمارةَ في عمقِها الفلسفيّ والوجوديّ ليست مجرّدَ مهنةٍ تُمارس من أجل التّكسّب، بل هيَ غريزةٌ بشريّةٌ دافعةٌ، وفطرةٌ إنسانيّةٌ أصيلةٌ نحو الخلودِ وترك الأثر. هي رحلةٌ تبدأُ منَ الوحدةِ الميكرو-مجتمعيّة الصّغيرةِ؛ إذ إن بناءَ الأسرةِ وتكوينُها هو في حدِّ ذاتِهِ فعلُ عِمارةٍ «معنويٍّ» و«اجتماعيٍّ» يسبقُ البناءَ الماديّ المتمثّل في الجدران.

هذهِ العمارةُ الفرديّة تتمدّد وتتّصل مع جيرانها لتتشكّلَ في (البيتِ الصّغيرِ والمبنى المتعدّد)، ثمّ تتّسعَ هذه الشّبكة لتشملَ (المدينةَ بأحيائها وساحاتها وشوارعها النّابضة)، ثمَّ تتراكمَ هذه المدُن جغرافيًّا وثقافيًّا لتكوِّنَ (الأمّةَ) وتصنع الشّواهد الماديّة والرّموز السّياديّة لـ (الدّولةَ).

historic city architecture civilization - دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان
العِمارةُ هي المرآةُ الصَّادقةُ التي تعكسُ رُقيَّ الحضاراتِ ونهضتَها، والشَّاهدُ الباقي على مهمَّةِ الاستخلافِ.

إنّنا إزاء دورةٍ وجوديّةٍ كاملةٍ تجعلُ منَ العمارةِ وعاءَ الحياةِ الأكبرَ والأشملَ. إنّ المباني هي الشّاهدُ الصّامت والباقي على مقدارِ إخلاصِنا لمهمّةِ الاستخلافِ على هذه الأرض، وهيَ المرآةُ الصّادقة الّتي لا تكذب، الّتي تعكسُ رُقيّ الحضاراتِ ونهضتها، أو تخلُّفَها وانهيارها، وذلكَ بفضلِ الإتقانِ في دور المعماري الّذي صاغَ هذهِ الشّواهدَ؛ فحين تندثرُ الحضاراتُ وتفنَى الشّعوب، تتحدّثُ عنها معابدها، ومساجدها، وقصورها، وتخطيط مدُنها (كما نرى في العمارة الفرعونيّة، والرّومانيّة، والإسلاميّة). العمارة إذن لا تؤثرُ في كيفيّةِ عيشِنا يوميّاتنا في الحاضر فحسب، بل هي تصوغُ كينونَتَنا الثّقافيّة، وتخلّد أفكارَنا، لتقف شاهدةً وتتحدّث بالنّيابة عنّا إزاء الأجيال المُقبلة؛ ليتجلّى في هذا الأثر الخالد دور المعماري.

وإتمامًا لهذه الرُّؤيةِ الّتي تجمعُ بين «المبنى»و «المعنى»؛ ولتدركَ كيف يمكنُ تحويلُ هذهِ الفلسفةِ إلى واقعٍ ملموسٍ في مشروعكَ المُقبل، ندعوكَ لقراءةِ مقالنا التّفصيليّ: «10 أسباب للاستعانة بالمهندس المعماري»؛ إذ نكشفُ فيهِ عنِ القيمةِ الحقيقيّةِ والحلولِ المبتكرةِ الّتي يقدّمُها المحترفونَ لصناعةِ جودةِ حياتكَ.

# دور المعماري في صياغة جودة الحياة وسعادة الإنسان By محمود قحطان،

محمود قحطان

باحث دكتوراه واستشاريّ في الهندسة المعماريّة. مُدقِّقٌ لُغويٌّ، وشاعرُ فُصحى. أحد الشُّعراء الَّذين شاركوا في موسم مُسابقة أمير الشُّعراء الأوّل في أبوظبي، حيثُ اختير ضمن أفضل مئتي شاعر من ضمن أكثر من (7500) شاعرٍ من جميع أنحاء العالم. نُشِرت عنه رسالة ماجستير، ونُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وتُرجِم بعضها. أصدرَ أربعة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!