مقالات في العمارة والأدب والحياة

الفجر في الخصومة: حين ينهدم معمار المروءة

اقرأ في هذا المقال
  • الفجر في الخصومة: حين ينهدم معمار المروءة
  • اللّغة والاصطلاح: انفجارُ المعنى
  • معمارُ الخصومةِ: بين «الاتزانِ» و«الانهيار»
  • سيكولوجيا «النّفسِ الصّغيرة»
  • آثارُ الفجورِ على النّسيجِ المجتمعيّ
  • خاتمة: نحو «نُبلِ التّخاصم»

الفجر في الخصومة: حين ينهدم معمار المروءة

في فلسفةِ الأخلاقِ، كما في هندسةِ البناءِ، ثمّةَ «أعمدةٌ حمّالة» إذا تصدّعت انهارَ الهيكلُ كلُّه. ومن أخطرِ تلك التّصدّعاتِ الّتي تُصيبُ بنيانَ الشّخصيّةِ الإنسانيّةِ ما يُسمّى في المأثورِ النّبويِّ الشّريفِ بـ «الفجر في الخصومة». وهو داءٌ عُضالٌ، لا يضربُ علاقةَ فردٍ بآخَرَ فحسب، بل يجتثُّ جذورَ الثّقةِ في التّربةِ المجتمعيّةِ، ويُحوِّلُ ساحاتِ الاختلافِ من «تدافعٍ بنّاء» إلى «هدمٍ شامل».

تجوعُ الحرّةُ ولا تأكل بثدييها

اللّغة والاصطلاح: انفجارُ المعنى

إذا تأمّلنا الجذرَ اللّغويَّ للفعل «فَجَرَ»، نجدُه يُوحي بالانفتاحِ والانشقاقِ العظيمِ؛ فالفجرُ هو: انشقاقُ ضياءِ الصّبحِ من عتمةِ اللّيلِ، ومنه قيل للعينِ إذا انبعثتِ: «انفجرَ الماءُ»، وهذا «انفجارٌ محمود». أمّا في الخصومةِ، فـ «الفجورُ» هو خروجٌ عن القصدِ، وانشقاقٌ عن الحقِّ، وميلٌ جائرٌ عن جادّةِ المروءةِ. وكأنَّ الفاجرَ قد «شَقَّ» سِترَ الحياءِ والعدلِ وخرجَ إلى فضاءِ الظّلمِ بلا قيد. إنّه باختصارٌ: «عدمُ الوقوفِ عند حدودِ العقلِ أو الدِّينِ أو العُرفِ في أثناء النّزاع».

مقالات ذات صلة

الباحثُ المُدقّقُ يلحظُ أنَّ النّبيَّ ﷺ جعلَ هذا المسلكَ علامةً فارقةً من علاماتِ «النّفاقِ العمليّ»؛ إذ يقولُ في الحديثِ المتّفقِ عليه: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا… (وذكر منها): وإذا خاصمَ فجرَ». هذا التّوصيفُ ليس مجرّدَ زجرٍ أخلاقيّ، بل هو تشخيصٌ بنيويٌّ لنفسيّةٍ لا تؤتمنُ في السِّلمِ لأنّها تنقلبُ وحشًا في الخصام.

معمارُ الخصومةِ: بين «الاتزانِ» و«الانهيار»

لأنّي معماريٌّ، أرى أنَّ أيَّ علاقةٍ إنسانيّةٍ هي بمنزلةِ «فراغٍ معماريّ» يحتاجُ إلى اتّزانٍ إنشائيّ. الاختلافُ في الرّأيِ هو «قوّةُ ضغط» طبيعيّة، والخصومةُ قد تكونُ «قوةَ شدّ» واختبارًا لمتانةِ الرّابطة. في الخصومةِ الشّريفةِ، يظلُّ هناك «خطُّ تراجعٍ آمنٍ»، وتظلُّ هناك «فواصلُ تمدد» تسمحُ بعودةِ الودِّ.

أمّا «الفاجرُ في خصومتِه»، فهو لا يُريدُ إصلاحَ العيبِ في المبنى، بل يَرمي إلى «الهدمِ الكليّ».

 يبني الخصمُ الشّريفُ في نزاعِهِ جسورًا للعودة، أمّا الفاجرُ فيهدمُ السقفَ فوق الرّؤوس ليثبتَ علوَّهُ الزّائف.

إنّه يَستخدمُ في خلافِه الصّغيرِ أدواتِ تدميرٍ شاملة؛ فيكذِبُ ليُشوّهَ السّمعة، ويخونُ السِّرَّ الّذي استُودعَ عليه وقتَ الرّضا، ويقلبُ المحاسنَ عيوبًا، ويستحضرُ كلَّ «مخازي» الماضي ليرشقَ بها خصمَه. هذا المسلكُ هو «عجزٌ هندسيٌّ» في بناءِ الذّات؛ فالعجزُ عن الحِجَاجِ بالحقِّ يدفعُ صاحبه لـ «تزييفِ الواقع» بغيةَ الانتصارِ الزّائف.

سيكولوجيا «النّفسِ الصّغيرة»

الفجر في الخصومة هو نتاجُ «ضيقِ أفقٍ» وقصرِ نَفَسٍ أخلاقيّ. الشّخصُ الّذي يفجُرُ في خصامِه يشعرُ في أعماقِه بـ «الدّونيّة»، لذا يحاولُ تعويضَ نقصِ حُجتِه بـ «فائضِ لؤمِه». تراهُ لا يكتفي بالخلافِ حولَ «الموضوع»، بل ينتقلُ فورًا لشخصنةِ النّزاعِ واستهدافِ «العِرضِ والذمّة».

إذا صغُرت النَّفْسُ، ضاق النَّفَسُ عن استيعابِ الحقّ، فكان الفجورُ هو المخرجَ الوحيد لمن لا مروءةَ له.

من زاويةٍ قرآنيّةٍ، نجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ وصفَ هذا الصّنفَ بـ «الألدّ»، فقالَ تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ». واللَّدَدُ في الخصومةِ هو شدّةُ المُماطلةِ والميلِ عن الحقِّ مع القُدرةِ على التّشدّقِ بالقول. هذا الانفصامُ بين «بلاغةِ اللّسان» و«فجورِ الفِعل» هو قمّةُ المأساةِ الإنسانيّة.

آثارُ الفجورِ على النّسيجِ المجتمعيّ

عندما يسودُ «الفجرُ في الخصومة» كظاهرةٍ اجتماعيّة، فإنَّ المجتمعَ يتحولُ إلى جحيمٍ من التّوجّس؛ فـ«الفاجرُ في خصامِهِ كمن يُحرقُ المدينةَ بأكملها، ليُضيءَ لنفسِهِ شمعةَ نصرٍ واهم». يفقدُ النّاسُ الأمانَ في البوحِ.

عندما يسودُ «الفجر في الخصومة» كظاهرةٍ اجتماعيّة، فإنَّ المجتمعَ يتحولُ إلى «غابةٍ رقميّة» أو واقعيّة. يفقدُ النّاسُ الأمانَ في البَوحِ، ويخشونَ من بناءِ علاقاتٍ عميقةٍ خوفًا من «لحظةِ الانقلاب». إنَّ الخصمَ الفاجرَ لا يُؤذي خصمَه فحسب، بل يُسمّمُ هواءَ البيئةِ المُحيطةِ؛ لأنه يُرسخُ مبدأً مفادُه أنَّ «الحقَّ للقويِّ بلسانِه، لا لصاحبِ الحجةِ ببرهانِه».

في بيئاتِ العملِ أو البحثِ الأكاديميّ، يُؤدّي هذا المسلكُ إلى قتلِ الإبداع؛ إذ يتحوّلُ الجهدُ من «تطويرِ الفكرة» إلى «اتقاءِ شرِّ الزّميل». بدلًا من أن تكونَ المراجعةُ النّقديّةُ وسيلةً للارتقاء، تصبحُ وسيلةً لـ «اغتيالِ الشّخصيّة».

خاتمة: نحو «نُبلِ التّخاصم»

إنَّ المروءةَ الحقّة تظهرُ في «أدبِ الفراق» أكثرَ مما تظهرُ في «أدبِ اللّقاء». الشّريفُ هو: من إذا خاصمَ نبلَ، وإذا اختلفَ عدلَ، وإذا فارقَ صانَ. نحنُ بحاجةٍ إلى إعادةِ الاعتبارِ لـ «أخلاقيّاتِ الاختلاف»، وأن ندركَ أنَّ خسارةَ صديقٍ بشرفٍ، خيرٌ من كسبِ قضيّةٍ بفجور.

أما السُّمعةُ والأثرُ فهما الجوهرُ الباقي. وتذكّر دائمًا: «ليسَ النّبلُ في كثرةِ الأصدقاء، بل في نقاءِ صحيفتِكَ عندَ أولئك الّذين اختلفتَ معهم يومًا!

كما يقولُ الشُّعراءُ، فإنَّ جمالَ القصيدةِ يكمنُ في تناغمِ تفعيلاتِها على الرّغم من اختلافِ زحافاتِها؛ فكذلك المجتمعُ، جمالُه في تباينِ أفراده ما دامَ يجمعُهم سقفُ «العدلِ». فالخصومةُ في النّهايةِ هي «عَرَضٌ» زائل، أما «السُّمعةُ والأثرُ» فهما الجوهرُ الباقي.

 

# الفجر في الخصومة: حين ينهدم معمار المروءة By محمود قحطان،

محمود قحطان

باحث دكتوراه واستشاريّ في الهندسة المعماريّة. مُدقِّقٌ لُغويٌّ، وشاعرُ فُصحى. أحد الشُّعراء الَّذين شاركوا في موسم مُسابقة أمير الشُّعراء الأوّل في أبوظبي، حيثُ اختير ضمن أفضل مئتي شاعر من ضمن أكثر من (7500) شاعرٍ من جميع أنحاء العالم. نُشِرت عنه رسالة ماجستير، ونُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وتُرجِم بعضها. أصدرَ أربعة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!