مقالات في العمارة والأدب والحياة

رحيل أمي.. انقطاع آخر أوردة النجاة

رحيل أمي.. انقطاع آخر أوردة النجاة

إذا كان أبي جدارًا سقطَ، فعرّاني إزاءَ رياحِ العالمِ المُتجمّدةِ، فإنّ أمي كانتِ السّقفَ الّذي يُظلّلني، والأساسَ الّذي يُمسكُ بتصدّعاتِ روحي منَ الانهيارِ. بموتِ أبي، سقطتْ جدرانُ الحياءِ وانفجرتْ داخلي براكينُ الغضبِ؛ لأُطلقَ شياطيني في وجهِ مجتمعٍ مُشوّهٍ، أمّا بموتكِ يا أمي.. فقدِ ابتلعني صمتٌ موحشٌ، وانسحبَ الضّوءُ منْ كلّ الزّوايا لأسقطَ في عتمةٍ لا قرارَ لها.

أجلسُ الآنَ في عزلتي، مُحاطًا بجدرانِ شقّتي الّتي تحوّلتْ فجأةً إلى زنزانةٍ منَ الفراغِ التّامِ. تقع عيناي على ذلك الهاتف الأرضيّ الصّامت، الجاثم في زاويةِ الغرفةِ كأثرٍ من زمنٍ مضى. كم مرّةً حمل إليّ صوتكِ، وكم مرّةً بدّد رنينه شيئًا من وحشتي. لقد كان صوته وهو يُعلنُ اتّصالكِ يمنحني وهمَ الاكتفاء، ويخدعني بأنّ حبالَ الوصلِ متينةٌ لا تنقطعُ. لقد كان صوتكِ عبرَ الأسلاكِ مُخدّرًا لتقصيري، وحُجّةً واهيةً أُسكتُ بها نداءَ الحنينِ الحقيقيّ، مُتناسيًا أنّ دفءَ الأنفاسِ لا تنقلهُ المُكالمات، وأنّ الجلوسَ في حضرتكِ كان يستحقّ منّي أن أطويَ المسافاتِ، وأتحدّى ثقلَ جسدي وعجزه، لأصعدَ إليكِ ولو مُتّكئًا على أكتافِ الغرباءِ في الشّارعِ.

اليومَ، أقفُ على أطلالِ تلك المكالماتِ، لا أسمعُ سوى صدى غيابي في لحظاتٍ تسرّبتْ منْ بينِ يديّ كالماءِ. أتلمّسُ هواءَ الغرفةِ فلا أجدُ غيرَ وحشةٍ تنهشُ ما تبقّى منّي. لقد كان رحيلكِ يا أمي انسحابًا هادئًا لآخرِ قوّةٍ كانت تسندني، وغيابًا للظّلّ الّذي كان يُخفّفُ عنّي قسوةَ هذا العالمِ؛ لأجدني أُواجهُ الفراغَ وحدي، أنتظرُ طيفكِ الّذي لن يمرّ.

لم يكن غيابي عنكِ كسلًا، ولا زهدًا في اللّقاءِ، بل كان جسدي المسافةَ الشّاقّةَ الّتي تفصلني عنكِ. كانتِ الدّقائقُ العشرُ بالسّيّارةِ تتحوّلُ إلى رحلةٍ مُضنيةٍ؛ تبدأُ بانتظارِ عابرٍ يحملُ عنّي ثقلَ هذا الجسدِ لأهبطَ درجاتِ السّلمِ، وبحثٍ عمّن يسندني لأصلَ إلى قارعةِ الطّريقِ، ثمّ معاناةٍ أشدّ لأرتقي درجاتِ عمارتكِ، ومشقّةٍ توازيها في طريقِ العودةِ.

ولأنّكِ كنتِ تقرأينَ تعبي وتُدركينَ حجمَ هذه المشقّةِ، آثرتِ الصّمتَ. لم تطلبي منّي يومًا أن أزوركِ، ولم تُعاتبيني قطّ على الغيابِ؛ بل تركتِ البابَ مفتوحًا للمجيءِ متى استطعتُ، واكتفيتِ بذلك التّفهّمِ الهادئِ الّذي طالما وسعني أكثرَ ممّا أستحقّ.

ممّا زادَ من تخديرِ ضميري، ذلك الاطمئنانُ الخادعُ بأنّكِ لستِ وحدكِ؛ كنتُ أرى أخواتكِ وصديقاتكِ حولكِ، يغمرنكِ بالودّ والزّياراتِ، فأسكنُ إلى فكرةِ أنّكِ مُحاطةٌ بالمحبّةِ، وأنّ غيابي لن يتركَ في يومكِ فراغًا موحشًا. في ظلّ هذا الإرهاقِ المُركّبِ، وعفوكِ الدّائمِ عنّي، واطمئناني السّاذجِ بوجودِ الآخرينَ؛ استعضتُ عنِ الزّيارةِ بالهاتفِ، وصدّقتُ كذبةَ أنّ ذبذباتِ الصّوتِ تكفي لتجاوزِ حدودِ الجسدِ. يا ليتني أدركتُ أنّ هذا الصّوتَ سيصمتُ للأبدِ.

ما أقسى الحقائقَ الّتي لا نكتشفها إلّا بعدَ فواتِ أوانها. أجلدُ نفسي اليومَ بسياطِ النّدمِ كلّما تذكّرتُ زياراتِ رامي؛ كان يأتيكِ مُتلهّفًا، وأبقى أنا سجينًا لافتراضاتي. ضيّعتُ فرصةَ أن نجتمعَ نحنُ الثّلاثةُ، نتقاسمُ العشاءَ في حضرتكِ، ونصنعَ ذكرياتٍ دافئةً تقيني شرّ هذا البردِ الّذي يسكنُ عظامي الآنَ. افترضتُ أنّ الأيّامَ ستمتدّ، وأنّ بابكِ سيظلّ مُشرعًا لنا، وها أنا أدفعُ ثمنَ هذا الضّياعِ منْ لحمي ودمي.

لم تكوني يا أمي أمًّا عاديّةً فحسب، بل كنتِ مدرسةً في التّعفّفِ والكبرياءِ. أذكرُ جيّدًا كيف كنتِ تُؤثرينني على نفسكِ، تمدّينَ لي يدَ العونِ وتدّعينَ بصلابةٍ أنّكِ في غنى عن كلّ شيءٍ. غفلتُ بجهلٍ عنْ كيفَ كنتِ تُدبّرينَ أموركِ، وكيف كنتِ تتجاوزينَ احتياجاتكِ الخاصّةَ لتمنحيني أسبابَ البقاءِ. كنتُ أظنّ منْ فرطِ استغنائكِ وكبريائكِ أنّكِ لا تحتاجينني، ولم أدركْ إلّا مُتأخّرًا أنّكِ كنتِ تفيضينَ بالكرامةِ، ترفضينَ أن تكوني عبئًا على أحدٍ، وتُفضّلينَ أن تكوني السّندَ الخفيّ الّذي لا يُرى، والظّلّ الّذي يحرسني في صمتٍ نبيلٍ.

لم تكوني يا أمي مُجرّدَ حِضنٍ آوي إليهِ، بل كنتِ حبلَ الوريدِ الّذي يربطني بما يُسمّى العائلةَ. كنتِ الغيمةَ الّتي أمطرتْ على جفافهمْ، واليدَ الّتي مهّدتْ دروبهمْ حينَ ضاقتْ بهمُ السّبلُ؛ سترتِ عجزهمْ، وأغدقتِ منْ فيضِ كرمكِ دونَ انتظارِ مقابلٍ.

لكنْ ما إنْ أغمضتِ عينيكِ حتّى انفرطَ العقدُ، وانقطعتِ الخيوطُ الّتي كنتِ تُمسكينها بصبركِ وحكمتكِ. تراجعتِ الوجوهُ الّتي طالما احتمتْ بظلّكِ، وخفّتِ الأصواتُ الّتي كانتْ تملأُ المكانَ منْ حولكِ؛ عندئذٍ أدركتُ أنّ كثيرًا منْ روابطنا لمْ تكنْ قائمةً بذاتها، بلْ كانتْ تستمدّ بقاءها منْ حضوركِ الهادئِ، ومنْ قلبكِ الّذي اتّسعَ للجميعِ. حتّى أولئكَ الّذينَ حملوا شيئًا منْ فضلكِ، واستظلّوا بكرمكِ في أيّامِ عثرتهمْ، قابلوا جودكِ بالجحودِ، وردّوا عطاءكِ بالقطيعةِ.

لقدْ غابَ الأقربون، وانطفأتْ حركةُ الأبوابِ الّتي كانتْ تُفتحُ منْ أجلكِ. لمْ يحضرْ بعضهمْ وداعكِ الأخيرَ، ولمْ يطرقوا بابي في لحظةٍ كنتُ فيها أحوجَ ما أكونُ إلى كلمةٍ أو مواساةٍ. عندئذٍ فقط أدركتُ أنّكِ لم تكوني فردًا منَ العائلةِ فحسبْ، بل كنتِ العائلةَ نفسها. وإذا كانَ أبي هو الجدارَ الّذي يصدّ عنّي ذئابَ المجتمعِ، فقد كنتِ أنتِ الخيمةَ الّتي تجمعُ شتاتنا، والظّلّ الّذي يسترُ ما بينَ القلوبِ منْ تصدّعاتٍ. وبغيابكِ طُويتِ الخيمةُ، وتفرّقتِ الخُطى، لأجدَ نفسي واقفًا في العراءِ، مقطوعًا منْ شجرةٍ كانتْ جذورها تمتدّ فيكِ وحدكِ، أُواجهُ صقيعَ هذا العالمِ بقلبٍ فقدَ آخرَ مواطنِ الدّفءِ.

سامحيني يا أمي.. سامحيني على كلّ مرّةٍ آثرتُ فيها السّهولةَ على اللّقاءِ، أو خدعني فيها وهمُ الاكتفاءِ. أعتذرُ عنْ كلّ مرّةٍ أقنعتُ فيها نفسي بأنّ سماعَ صوتكِ يكفي؛ في حين كانتْ رؤيتكِ وحدها تستحقّ منّي أنْ أطويَ المسافاتِ، وأتحدّى ما بيننا منْ عوائقَ. أعتذرُ عنْ كلّ تعبٍ تحمّلتِهِ بصمتٍ لترفعي عنّي الحرجَ، وعنْ كلّ دمعةِ كبرياءٍ حبستِها في عينيكِ كيلا أشعرَ بعجزِ جسدي، أو بضيقِ ذاتِ اليدِ.

في رثاءِ أبي، قلتُ إنّ بموتهِ سقطَ آخرُ جدارِ حياءٍ في صدري، وتوعّدتُ بأنْ أُطلقَ شياطيني في وجهِ مجتمعٍ زائفٍ ومُنافقٍ. أمّا اليومَ، إزاءَ جلالِ موتكِ، وإزاءَ هذا اليُتمِ المُضاعفِ، فلا شياطينَ أُطلقها، بل روحًا مُنكسرةً أطويها على حزنها وندمها.

بموتكِ يا أمي؛ انقطعَ آخرُ أوردةِ النّجاةِ، وماتتْ رغبتي في كلّ المعاركِ؛

الآنَ، أرفعُ رايةَ استسلامي للحنينِ، وأغوصُ في عزلتي، أنتظرُ طيفكِ الّذي لنْ يجيءَ!

# رحيل أمي.. انقطاع آخر أوردة النجاة By محمود قحطان،

محمود قحطان

باحث دكتوراه واستشاريّ في الهندسة المعماريّة. مُدقِّقٌ لُغويٌّ، وشاعرُ فُصحى. أحد الشُّعراء الَّذين شاركوا في موسم مُسابقة أمير الشُّعراء الأوّل في أبوظبي، حيثُ اختير ضمن أفضل مئتي شاعر من ضمن أكثر من (7500) شاعرٍ من جميع أنحاء العالم. نُشِرت عنه رسالة ماجستير، ونُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وتُرجِم بعضها. أصدرَ أربعة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!