التصنيع الرقمي: دوره في التصميم البيئي وكفاءة الطاقة والحدّ من الجزيرة الحرارية الحضرية
- مفهومُ التصنيع الرقمي
- تطبيقاتُ التصنيع الرقمي في التّصميمِ البيئيّ وكفاءةِ الطّاقةِ
- الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island)
- طرائقُ التّعاملِ معها على مستوى التّصميمِ العمرانيّ
- العَلاقةُ بين التصنيع الرقمي والجزيرة الحرارية الحضرية
- خاتمة
يُسهمُ التصنيع الرقمي في التّصميمِ البيئيِّ في تطويرِ حلولٍ معماريّةٍ تساعدُ على تحسينِ كفاءة الطّاقة في المباني، بوساطةِ إنتاجِ عناصرَ دقيقةٍ تتوافقُ معَ معطياتِ الموقعِ والمناخِ. لا تقتصرُ تطبيقاتُ التصنيع الرقمي على تحسينِ أداءِ المبنى؛ إذ يمكنُ توظيفُه في إنتاجِ عناصرِ التّظليلِ والواجهاتِ الّتي تدعمُ الجهودَ الرّاميةَ إلى الحدّ من الجزيرة الحرارية الحضرية، وهي ظاهرةٌ ترتفعُ فيها درجاتُ الحرارةِ داخلَ المدنِ مقارنةً بالمناطقِ الرّيفيّةِ المحيطةِ بها.
أ. مفهومُ التصنيع الرقمي
التّصنيعُ الرّقميُّ (Digital Fabrication): هو استخدامُ التّقنيّاتِ الرّقميّةِ والآلاتِ الّتي تتحكّمُ فيها الحواسيبُ لتحويلِ التّصميمِ الرّقميّ إلى عناصرَ ومنتجاتٍ ماديّةٍ، بدقّةٍ تسمحُ بإنتاجِ أشكالٍ معقّدةٍ ومكوّناتٍ مخصّصةٍ وَفقَ متطلّباتِ التّصميمِ.
تشملُ تقنيّاتُه: الطّباعةَ ثلاثيّةَ الأبعادِ، والقطعَ باللّيزرِ، والتّفريزَ باستخدامِ التّحكّمِ الرّقميّ بالحاسوبِ (Computer Numerical Control – CNC Milling)، والتّصنيعَ الرّوبوتيّ. تتيحُ هذه التّقنيّاتُ الانتقالَ منَ التّصميمِ الحاسوبيِّ إلى التّنفيذِ الفعليِّ، معَ إمكانيّةِ إنتاجِ عناصرَ تتوافقُ أبعادُها وأشكالُها معَ المتطلّباتِ البيئيّةِ للمبنى.
ب. تطبيقاتُ التصنيع الرقمي في التّصميمِ البيئيّ وكفاءةِ الطّاقةِ
يسمحُ التصنيع الرقمي بربطِ التّصميمِ بالحسابِ والمحاكاةِ والإنتاجِ؛ ما يتيحُ تطويرَ عناصرَ معماريّةٍ تتوافقُ مع العواملِ المناخيّةِ وتُحسّنُ الأداءَ البيئيّ للمبنى. من أبرزِ تطبيقاتِه ما يأتي:
- الواجهاتُ المظلّلةُ: إنتاجُ كاسراتٍ شمسيّةٍ مخصّصةٍ، تُحدّدُ أشكالُها وأبعادُها باستخدامِ المحاكاةِ الحاسوبيّةِ لحركةِ الشّمسِ وزاويةِ سقوطِ أشعّتِها على الواجهةِ في أوقاتِ السّنةِ المختلفةِ. يساعدُ التّكاملُ بين هذه الوظائفِ على حجبِ أشعّةِ الشّمسِ المباشرةِ، والحدّ من اكتسابِ الحرارةِ، مع السّماحِ بدخولِ الضّوءِ الطّبيعيّ؛ ما يقلّلُ الحاجةَ إلى الإضاءةِ الاصطناعيّةِ والتّبريدِ الميكانيكيّ. تكمنُ أهميّةُ هذه التّقنيّةِ في إمكانيّةِ تخصيصِ عناصرِ التّظليلِ لكلِّ واجهةٍ بدلًا من الاعتمادِ على تصميمٍ موحّدٍ لا يراعي اختلافَ اتّجاهاتِ المبنى ودرجةَ تعرّضهِ لأشعّةِ الشّمسِ.
- أغلفةُ مبانٍ عاليةُ الأداءِ: تصنيعُ ألواحِ واجهاتٍ وعناصرَ معماريّةٍ مخصّصةٍ تجمعُ بين التّظليلِ والعزلِ الحراريّ والتّهويةِ، وَفقًا لمعطياتِ المناخِ واحتياجاتِ المبنى. يمكنُ تصميمُ هذه العناصرِ بحيثُ تحدّ من انتقالِ الحرارةِ إلى الدّاخلِ في الأجواءِ الحارّةِ، وتسمحُ بالاستفادةِ من التّهويةِ الطّبيعيّةِ عندما يكون الهواءُ الخارجيّ ملائمًا؛ ما يُحسّنُ الرّاحةَ الحراريّةَ ويقلّلُ استهلاكَ الطّاقةِ اللّازمةِ لتشغيلِ أجهزةِ التّكييفِ.
- تحسينُ استخدامِ الموادّ وتقليل هدرها: يتيح التصنيع الرقمي قصّ الموادّ وَفق المقاساتِ المطلوبةِ بدقّةٍ، بما يساعد على الاستفادةِ من الألواحِ وتقليل بقايا الموادّ التي لا يُمكن استخدامها.
- تصنيعُ عناصرَ تفاعليّةٍ أو متكيّفةٍ مع التّغيّراتِ المُناخيّةِ: يُسهمُ التصنيع الرّقمي في إنتاجِ عناصرَ معماريّةٍ يمكنُ تعديلُ وضعِها أو فتحاتِها استجابةً لتغيّرِ العواملِ البيئيّةِ؛ مثلَ: ألواحِ الواجهاتِ المتحرّكةِ الّتي تتغيّرُ درجةُ انفتاحِها وَفقَ شدّةِ الإشعاعِ الشّمسيِّ، بما يساعدُ على تنظيمِ دخولِ الضّوءِ والحرارةِ وتحسينِ الأداءِ البيئيّ للمبنى.
- تخصيصُ العناصرِ المعماريّةِ وفقَ المتطلّباتِ البيئيّةِ: يتيحُ التصنيع الرقمي إنتاجَ عناصرَ معماريّةٍ بأشكالٍ وأبعادٍ دقيقةٍ تتوافقُ مع احتياجاتِ المشروعِ، وتسمحُ بتنفيذِ هندسيّاتٍ معقّدةٍ يصعبُ إنتاجُها بالوسائلِ التقليديّةِ؛ بما يوسّعُ خياراتِ التصميم البيئي ويتيحُ دمجَ متطلّباتِ الأداءِ الحراريّ والضوئيّ في تكوينِ العنصرِ المعماريّ.
ج. الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island)
التّعريفُ: هي ظاهرةٌ ترتفعُ فيها درجاتُ الحرارةِ في المناطقِ الحضريّةِ مقارنةً بالمناطقِ الرّيفيّةِ المحيطةِ، نتيجةَ خصائصِ العمرانِ، والموادّ، والأسطحِ، وتراجعِ الغطاءِ النّباتيّ.
أسبابُها:
- استبدالُ الأراضي الطّبيعيّةِ بالأسطحِ الإسفلتيّةِ والخرسانيّةِ الّتي تمتصّ الحرارةَ وتخزّنها.
- انخفاضُ الغطاءِ النّباتيّ وما يصاحبُه من تراجعِ التّظليلِ والتّبريدِ بالتّبخّرِ والنّتحِ.
- ارتفاعُ كثافةِ المباني، بما قد يحدّ من التّهويةِ وتبديدِ الحرارةِ.
- الحرارةُ المنبعثةُ من المركباتِ وأجهزةِ التّكييفِ والأنشطةِ الصّناعيّةِ.
آثارُها:
- ارتفاعُ درجاتِ الحرارةِ داخلَ المدنِ وتراجعُ الرّاحةِ الحراريّةِ.
- زيادةُ استهلاكِ الطّاقةِ لتبريدِ المباني.
- زيادةُ الضّغوطِ على شبكاتِ الكهرباءِ، وتفاقمُ بعضِ الآثارِ الصّحيّةِ المرتبطةِ بالحرارةِ.
د. طرائقُ التّعاملِ معها على مستوى التّصميمِ العمرانيّ
- زيادةُ الغطاءِ النّباتيِّ: زراعةُ الأشجارِ وتوفيرُ الظّلّ في الشّوارعِ والسّاحاتِ، واستخدامُ نباتاتٍ ملائمةٍ للمناخِ المحلّيّ.
- الأسطحُ الباردةُ (Cool Roofs): استخدامُ موادّ أو طلاءاتٍ ذاتِ انعكاسيّةٍ شمسيّةٍ مرتفعةٍ للحدّ من امتصاصِ الحرارةِ.
- الأسطحُ الخضراءُ (Green Roofs): زراعةُ الأسطحِ لتوفيرِ الظّلّ والتّبريدِ بالتّبخّرِ والنّتحِ، مع مراعاةِ الأحمالِ الإنشائيّةِ واحتياجاتِ الرّيِّ.
- الرّصفُ الباردُ والنّفّاذُ: يُسهمُ الرّصفُ الباردُ في الحدّ من الجزيرة الحرارية الحضرية باستخدام موادّ تعكسُ جزءًا أكبرَ من أشعّة الشّمس؛ فتقلّلُ امتصاصَ الحرارةِ. أمّا الرّصفُ النّفّاذُ، فيسمحُ بمرورِ مياهِ الأمطارِ إلى الطّبقاتِ السّفليّةِ؛ ما يساعدُ على الاحتفاظِ بالرّطوبةِ في التّربةِ ودعمِ نموِّ النّباتاتِ، وقد يُسهمُ تبخّرُ المياهِ في تبريدِ السّطحِ عندَ توفرِ الأوضاعِ المناسبةِ. بذلك، يمكنُ أن يساعدَ كلا النّوعين، بآليّتَين مختلفتَين، على الحدّ من ارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ في المدنِ، وقد تجمعُ بعضُ أنواعِ الرّصفِ بين الانعكاسيّةِ الشّمسيّةِ المرتفعةِ والنّفاذيّةِ.
- تحسينُ التّكوينِ العمرانيِّ: دراسةُ ارتفاعاتِ المباني، وتباعدِها، واتّجاهاتِ الشّوارعِ، ومساراتِ الرّياحِ لتحقيقِ توازنٍ بينَ التّظليلِ والتّهويةِ.
- خفضُ الحرارةِ النّاتجةِ عنِ الأنشطةِ: رفعُ كفاءةِ الطّاقةِ في المباني، مثل: تحسينِ العزلِ الحراريِّ، واستخدامِ أجهزةِ التّكييفِ والإضاءةِ عاليةِ الكفاءةِ، والاستفادةِ منَ الطّاقةِ الشّمسيّةِ، ورفعِ كفاءةِ وسائلِ النّقلِ باستخدامِ المركباتِ الأقلِّ استهلاكًا للوقودِ، وتشجيعِ النّقلِ العامِّ والمشي وركوبِ الدّرّاجاتِ؛ ما يقلّلُ من استهلاكِ الطّاقةِ والحرارةِ المنبعثةِ منَ المباني والمركباتِ إلى البيئةِ الحضريّةِ.
تساعدُ هذه الإجراءاتُ على خفضِ درجاتِ حرارةِ الأسطحِ، وتحسينِ الرّاحةِ الحراريّةِ، وتقليلِ أحمالِ التّبريدِ واستهلاكِ الطّاقةِ.
هـ. العَلاقةُ بين التصنيع الرقمي والجزيرة الحرارية الحضرية
تُعدّ العلاقةُ بين التصنيع الرقمي والجزيرة الحرارية الحضرية في إمكانيّةِ توظيفِ التّقنيّاتِ الرّقميّةِ لتنفيذِ حلولٍ تصميميّةٍ تستجيبُ للمشكلةِ الحراريّةِ في البيئةِ الحضريّةِ؛ فإلى جانبِ تحسينِ أداءِ المباني، يمكنُ أن يدعمَ التصنيع الرقمي تنفيذَ بعضِ التّدخّلاتِ في الشّوارعِ والسّاحاتِ والأسطحِ، بما يتناسبُ معَ خصائصِ كلِّ موقعٍ.
معَ ذلكَ، لا يُعدُّ التصنيع الرقمي وسيلةً مباشرةً لخفضِ حرارةِ المدنِ؛ إذ تعتمدُ فاعليّتُه على طبيعةِ الحلولِ المنفّذةِ ومدى إسهامِها في تقليلِ امتصاصِ الحرارةِ أو توفيرِ الظّلِّ أو دعمِ الغطاءِ النّباتيِّ. فضلًا عن أنّ الحدّ منَ الجزيرة الحرارية الحضرية يتطلّبُ تكاملَ هذه الحلولِ معَ التّخطيطِ العمرانيّ، واختيارَ موادّ الأسطحِ والرّصفِ المناسبةِ، وزيادةَ المساحاتِ الخضراءِ. بذلكَ، تُقاسُ قيمةُ التصنيع الرقمي في توفيرِ وسائلَ دقيقةٍ لتنفيذِ الحلولِ البيئيّةِ، لا في تحقيقِ التّبريدِ الحضريّ بمجرّدِ استخدامِه.
خاتمة
يُتيحُ التصنيع الرقمي توسيعَ إمكاناتِ التصميم البيئي بوساطة إنتاجِ عناصرَ معماريّةٍ دقيقةٍ ومخصّصةٍ تستجيبُ لخصائصِ الموقعِ والتّغيّراتِ المناخيّةِ، بما يدعمُ تحسينَ أداءِ أغلفةِ المباني، والاستفادةَ منَ الإضاءةِ الطّبيعيّةِ، والحدّ من اكتسابِ الحرارةِ واستهلاكِ الطّاقةِ. فضلًا عن إمكانيّةِ توظيفه في تنفيذِ حلولٍ تُسهمُ في مواجهةِ الجزيرة الحرارية الحضرية، مثل: عناصرِ التّظليلِ والواجهاتِ المصمّمةِ وَفقَ الاحتياجاتِ البيئيّةِ لكلِّ موقعٍ.
معَ ذلكَ، لا تتحقّقُ الفوائدُ البيئيّةُ بمجرّدِ استخدامِ تقنيّاتِ التصنيع الرقمي؛ إذ يتوقّفُ أثرُه البيئيّ على عدّةِ عواملَ، منها: نوعُ الموادّ المستخدمةِ وكمّيّتها، والطّاقةُ المستهلَكةُ في التّصنيعِ والنّقلِ والتّركيبِ، ومدى كفاءةِ العناصرِ المنتَجةِ في أثناء تشغيلِ المبنى. لذلكَ، ينبغي تقييمُ هذا الأثرِ باستخدامِ تقييمِ دورةِ الحياةِ (Life Cycle Assessment – LCA)، وهو منهجٌ يدرسُ الأثرَ البيئيّ للمنتجِ في مراحلِ حياتِه المختلفةِ، بدءًا من استخراجِ الموادِّ الخامِ وتصنيعِها، مرورًا بالنّقلِ والاستخدامِ، وانتهاءً بإعادةِ التّدويرِ أو التّخلّصِ منه. وقد أوضحتْ دراسةُ Agustí-Juan وHabert (2017) أهمّيّةَ مراعاةِ الأثرِ البيئيّ للموادّ المستخدمةِ عند تقييمِ التصنيع الرقمي؛ إذ قد يتجاوزُ هذا الأثرُ أثرَ التّصنيعِ نفسه.
من ثمَّ، تكمنُ قيمةُ التصنيع الرقمي في قدرتِه على تحويلِ التصميم البيئي من تصوّرٍ رقميٍّ إلى حلولٍ قابلةٍ للتّنفيذِ، تُقيَّمُ فاعليّتها وَفق أدائِها الفعليّ ومدى إسهامها في تحقيقِ كفاءةِ الطّاقةِ والاستدامةِ البيئيّةِ، سواءٌ على مستوى المبنى أو في سياقِ البيئةِ الحضريّة.
# التصنيع الرقمي: دوره في التصميم البيئي وكفاءة الطاقة والحدّ من الجزيرة الحرارية الحضرية By محمود قحطان،






