العمارة الإنسانية: فلسفة أنسنة الفراغ وبناء الوجدان والمجتمع
كيف تطورت العمارة الإنسانية من رؤى لوكوربوزييه وحسن فتحي إلى التصميم المتمحور حول الإنسان والعمارة التشاركية؟
- العمارة الإنسانية: فلسفة أنسنة الفراغ وبناء الوجدان والمجتمع
- هندسةُ الاحتياجِ: كيفَ يتحدثُ الفراغُ بلغةِ الإنسانِ؟
- من «لوكوربوزييه» إلى «حسنِ فتحي»: جذورُ العمارةِ الوجدانيّةِ
- «انظرْ تحتَ قدميك»: العمارةُ الإنسانيّة والتّمكين منَ البناءِ
- فلسفةُ الموادِّ الطبيعيّةِ والدورةُ الأرضيّةُ
- التّشاركيّةُ المعاصرةُ: تجربةُ «أليخاندرو أرافينا»
- خاتمةٌ: العمارةُ كأفقٍ روحانيٍّ كونيٍّ
العمارة الإنسانية: فلسفة أنسنة الفراغ وبناء الوجدان والمجتمع
العمارة الإنسانيّة ومسؤوليّةُ صونِ الآدميّةِ في الفراغِ؛ هل تقعُ على عاتقِ الحاكمِ والسّلطةِ وحدهما، أم هي مسؤوليّةٌ تضامنيّةٌ يتشاطرها المجتمعُ بأسرهِ؟ يفضي هذا السّؤالُ عن العمارة الإنسانية إلى مساءلةِ العلاقةِ الجدليّةِ بينَ المعماريّ والإنسانِ، ويضعُنا إزاءَ سؤالٍ بنيويٍّ عميقٍ يتجاوزُ حدودَ المهنةِ إلى فلسفةِ العمرانِ ذاتها؛ فالعمارةُ في جوهرها الأصيلِ ليست مجرّدَ فعلٍ ميكانيكيٍّ لتركيبِ الأحجارِ وصبِّ الخرساناتِ، بل هي رسالةٌ وجوديّةٌ وصياغةٌ مادّيّةٌ لروحِ الإنسانيّةِ. الواقعُ أنّ لكلّ ذي سهمٍ سهمهُ، غيرَ أنّ للمنتجِ العمرانيّ أثرًا بالغًا في ترسيخِ أركانِ الإنسانيّةِ وتجذيرِها في الفضاءِ المعيشِ.

هندسةُ الاحتياجِ: كيفَ يتحدّثُ الفراغُ بلغةِ الإنسانِ؟
إنّ أولى تجلّيّاتِ العمارة الإنسانية تكمنُ في قدرتِها على التّعبيرِ الصّادقِ عن طبيعةِ النّشاطِ البشريّ واحترامِ خصوصيّةِ مستخدمِ الفراغِ. لم تعد هذه الرّؤيةُ مجرّدَ أطروحةٍ فلسفيّةٍ، بل أصبحتْ محورًا لاتّجاهاتٍ بحثيّةٍ معاصرةٍ، مثلَ التّصميمِ المتمحورِ حولَ الإنسانِ (Human-Centered Design)، والتّصميمِ القائمِ على الدّليلِ (Evidence-Based Design)، والبيئاتِ الشّافيةِ (Healing Environments)، وجميعُها تنطلقُ من مبدأٍ واحدٍ: أنّ جودةَ الفراغِ لا تُقاسُ بجمالهِ أو كفاءتهِ الإنشائيّةِ فحسب، بل بقدرتِهِ على دعمِ صحّةِ الإنسانِ ورفاهيَتهِ وجودةِ تجربتهِ المعيشيّةِ. من هذا المنطلقِ، لا يُصمّمُ المعماريّ الحذقُ جدرانًا مصمتةً، بل يُصمّمُ سلوكًا ومشاعرَ.

- فراغاتُ الطفولةِ: عندَ تصميمِ دارِ حضانةٍ للأطفالِ، تفرضُ الإنسانيّةُ العمرانيّةُ شروطها؛ فتتحولُ الأركانُ الحادّةُ إلى زوايا ناعمةٍ (Soft)، وتصبحُ الأرضياتُ آمنةً، وينسابُ المخطّطُ المعماريُّ (Plan) في انحناءاتٍ شبهِ دائريّةٍ تُحاكي «حِضنَ الأمِّ»، تلبيةً لاحتياجِ الطفلِ الفطريِّ للأمانِ.
- تنوعُ الحواضنِ العمرانيّةِ: يتلوّنُ هذا القياسُ الإنسانيُّ ويتشكّلُ تبعًا للوظيفةِ؛ فالجامعةُ تختلفُ في فلسفتها الفراغيّةِ عنِ المدرسةِ، والنّاديُّ له منطقٌ مكانيٌّ غيرُ منطقِ المستشفى، والمحكمةُ ترتكزُ على هيئةٍ عمرانيّةٍ لا تشبهُ هيئةَ المعسكرِ.
إنّ العمارةَ الإنسانيّةَ ليست ترفًا هندسيًّا، بل هي الفراغُ الّذي يرتدي أبعادَ الإنسانِ النّفسيّةَ والبيولوجيّةَ ليحتضنهُ دونَ أن يُشيّئهُ.
من «لوكوربوزييه» إلى «حسنِ فتحي»: جذورُ العمارةِ الوجدانيّةِ
لقد تنبّهَ روادُ الفكرِ المعماريِّ حديثًا وقديمًا إلى خطورةِ تشويهِ المقياسِ الإنسانيّ (Human Scale) في المُدنِ الحديثةِ. فها هوَ المعماريُّ العالميُّ «لوكوربوزييه» يطلقُ صرختهُ التّحذيريّةَ الخالدةَ، معربًا عن خشيتهِ الطّاغيةِ على الإنسانِ المعاصرِ حينَ يعيشُ في حاضراتِ المُدنِ المزدحمةِ والكتلِ الخرسانيّةِ الصّمّاءِ؛ من أن يفقدَ شعورهُ الفطريَّ بإنسانيّتهِ.
في بيئتنا العربيّةِ والإسلاميّةِ، تجلّت ذروةُ هذا الفكرِ الرّوحيِّ في أطروحاتِ شيخِ المعماريّينَ «حسن فتحي»، الّذي عمدَ إلى تأسيسِ ما يمكنُ تصنيفهُ بـ «العمارةِ الوجدانيّةِ».
لقد نظرَ حسن فتحي إلى المسكنِ ككيانٍ حيٍّ يجبُ أن يحترمَ البيئةَ والتّركيبةَ النّفسيّةَ والسّيكولوجيّةَ لساكنيهِ. لم يكنِ البناءُ عنده غايةً في ذاتهِ، بل وسيلةً لإقامةِ علاقةٍ متوازنةٍ بينَ الإنسانِ والمكانِ، بحيثُ تصبحُ العمارةُ امتدادًا طبيعيًّا لحياةِ الإنسانِ لا عبئًا مفروضًا عليه. لذلكَ يشعرُ الإنسانُ في عمارتهِ بأنّهُ محورُ الكونِ؛ فالمدخلُ يحترمُ خطوتَهُ، والحركةُ تحتضنُ حواسّهُ، والفراغُ لا يتركُهُ تائهًا مستلبًا.

تجلّت عبقريّةُ حسن فتحي في صياغةِ عمارةٍ صوفيّةٍ قوامُها التّجريدُ والاختزالُ؛ عمارةٌ تنبتُ منَ الأرضِ لتخدمَ السّماءَ، وتحترمُ وجدانَ السّاكنِ في كلِّ حركةٍ وسكنةٍ.
«انظرْ تحتَ قدميك»: العمارةُ الإنسانيّة والتّمكين منَ البناءِ
ترتبطُ العمارةُ الإنسانيّةُ ارتباطًا وثيقًا بمفهومِ التمكين (Enablement) والتّكنولوجيا الملائمة (Appropriate Technology)، إذْ لا تُقاسُ قيمةُ العمارةِ بما تُنفقُهُ من مواردَ، بلْ بما تمنحُهُ للإنسانِ من قدرةٍ على البناءِ والعيشِ الكريمِ. فالعمارةُ إذا غدتْ مغرقةً في الكلفةِ، معقّدةَ التقنيّةِ (High-Tech)، تحوّلتْ إلى أداةِ إقصاءٍ طبقيٍّ تُرهقُ كاهلَ الإنسانِ، وتجعلهُ أسيرَ السّعيِ الدّائمِ إلى تأمينِ مأوًى بدلَ أنْ يكونَ شريكًا في صناعةِ بيئتِهِ.
منْ هنا جاءتْ دعوةُ حسنِ فتحي إلى إعادةِ اكتشافِ المواردِ المحليّةِ والخبراتِ التّقليديّةِ، وإيمانُهُ بأنّ الحلولَ الحقيقيّةَ كثيرًا ما تكونُ أقربَ إلينا ممّا نظنّ. لقد لخّصَ هذه الفلسفةَ في دعوتهِ إلى أنْ «تنظرَ تحتَ قدميكَ»؛ أيْ أنْ تبدأَ بما تملكُهُ بيئتُكَ من موادَّ وإمكاناتٍ، قبلَ أنْ تبحثَ عن حلولٍ مستوردةٍ باهظةِ الكلفةِ. وقد لخّصَ هذه الفلسفةَ في قولِهِ:
«لا يستطيعُ شخصٌ واحدٌ أنْ يبني منزلًا؛ ولكنْ عشرةُ أشخاصٍ يستطيعونَ بناءَ عشرةِ منازلَ». حسن فتحي
إنَّ سرَّ ديمومةِ العمارةِ الشّعبيّةِ والتّقليديّةِ لا يكمنُ في انخفاضِ كلفتِها فحسب، بلْ في وضوحِها البنائيِّ، واعتمادِها على المواردِ المحليّةِ، وقابليّتِها للتّنفيذِ التّشاركيِّ، بما يُمكّنُ الإنسانَ منَ المشاركةِ في صناعةِ بيئتِهِ العمرانيّةِ بدلًا منَ الارتهانِ الكاملِ إليها.
فلسفةُ الموادِّ الطبيعيّةِ والدورةُ الأرضيّةُ
تُنادي العمارةُ المستدامةُ اليومَ بما نادى بهِ أجدادنا غريزيًّا: «انظر حولكَ وتبيّن تحتَ قدميكَ». الاستعانةُ بالموادّ الطّبيعيّةِ المحليّةِ المتاحةِ في متناولِ اليدِ توفرُ عمارتينِ:
- عمارةٌ اقتصاديّةٌ ممكِنةٌ: تمنحُ الإنسانَ حقَّهُ في المسكنِ الملائمِ بأدواتٍ متاحةٍ وكلفةٍ محتملةٍ.
- عمارةٌ ذاتُ دورةٍ أرضيّةٍ مغلقةٍ: حينَ يُبنى البيتُ منَ الطّينِ؛ فإنّهُ يلتفّ مع الأيّامِ ليعودَ إلى التّربةِ ذاتها، ثمّ يُعادُ بناؤهُ في المكانِ نفسهِ دونَ تلويثٍ للبيئةِ، ودونَ حاجةٍ إلى إنهاكِ مواردَ جديدةٍ.
التّشاركيّةُ المعاصرةُ: تجربةُ «أليخاندرو أرافينا»

امتدادًا لهذا الفكرِ الكونيّ الروحانيّ، نجدُ صدى العمارة الإنسانية يتردّدُ في أطروحاتِ المعماريينَ المعاصرينَ، وعلى رأسهمُ التّشيليّ «أليخاندرو أرافينا» (الحاصلُ على جائزةِ بريتزكرَ). يرتكزُ فكرُ (أرافينا) على مفهومِ «العمارةِ التّشاركيّةِ» الّتي تعيدُ صياغةَ العَلاقةِ بينَ المثلّثِ الوجوديّ: (المعماريّ، والمجتمعِ، والعمارةِ).
العمارة التشاركيّة هي اعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ المجتمعَ ليسَ مستهلكًا للفراغِ، بل هو صانعهُ الحقيقيّ والرّوحُ الّتي تُحيي جمادَ الحجرِ.
جوهرُ هذا النّهجِ ذكاءُ الاختزالِ؛ إذ يتدخّلُ المعماريّ لإنجازِ العناصرِ البنائيّةِ الأساسيّةِ الّتي يعجزُ الفردُ عن تنفيذِها بمفردهِ، ثمّ يفسحُ للمُجتمعِ والأفرادِ المجالَ لاستكمالِ الفراغاتِ وتطويرِ مساكنِهم وتوسيعِها وَفقًا لاحتياجاتِهم المتغيّرةِ وإمكاناتِهم المادّيّةِ. بهذا تتحوّلُ العمارةُ من منتجٍ يُسلَّمُ جاهزًا إلى إطارٍ قابلٍ للنّموّ مع حياةِ الإنسانِ وتطوّرِها، وهو ما يُعيدُ للإنسانِ كرامتَهُ، ويجعلهُ شريكًا حقيقيًّا في صناعةِ مجالهِ الحيويّ.
خاتمةٌ: العمارة الإنسانية كأفقٍ روحانيٍّ كونيٍّ
إنّ العمارة الإنسانية في منتهى أمرِها ليست مجرّدَ اتّجاهٍ تصميميٍّ، بل هي رؤيةٌ كونيّةٌ وروحانيّةٌ تنظرُ إلى الإنسانِ بوصفهِ غايةَ العمرانِ لا وسيلتَهُ. هي الانعكاسُ المادّيّ لقيمِ العدالةِ والمواساةِ والكرامةِ، والأداةُ الّتي تصونُ وجدانَ البشرِ منَ التّلوّثِ البصريّ والاغترابِ السّيكولوجيّ. حينَ تنجحُ العمارةُ في احتضانِ الإنسانِ قبلَ احتضانِ جسدِهِ، فإنّها لا تُشيّدُ مبانِيَ فحسب، بل تُشيّدُ الانتماءَ والسّكينةَ والكرامةَ. لذلكَ تبقى العمارة الإنسانية إحدى أكثرِ وسائلِ الحضارةِ قدرةً على صونِ إنسانيّتِنا، وصناعةِ مدنٍ لا تطردُ ساكنيها؛ بل تمنحُهم شعورًا دائمًا بأنّهم في موطنٍ وُجِدَ لأجلِهم.
# العمارة الإنسانية: فلسفة أنسنة الفراغ وبناء الوجدان والمجتمع By محمود قحطان،






