مقالات

ما علاقة الإبداع بالجنون

ما علاقة الإبداع بالجنون

قال أرسطو:

لا تُوجد روحٌ مُتفوّقة لا يُخالطها مزيجٌ من الجنون!

أسرتِ العلاقةُ بين الإبداع والجنون الفلاسفة والكتّاب المسرحيّين والشُّعراء مُدّةً طويلة. تستمرُّ فكرة الفنّان المجنون أو المُوسيقي المُعذّب أو الشَّاعر المُتألّم في السّيطرةِ بقوّةٍ على الخيالِ الإنسانيّ، وحاولتْ دراساتٌ عديدةٌ معرفة الصّلة بين الإبداع والاضطراب العقليّ، وهل بعض المهن الإبداعيّة مُرتبطة بمستوياتٍ أعلى من المُعاناةِ النّفسيّة؟

إذا نظرتَ إلى التّاريخ، فالأمرُ لا يتطلّبُ عدسةً مُكبّرة لتحديد أنّ عددًا من الفنّانين الحقيقيّين قد مرّوا بأجواء من الجنون. الأمرُ الّذي يطرحُ السّؤال: أيجبُ أن تكونَ مجنونًا لكي تكون فنّانًا حقيقيًّا؟

مُبدعونَ أم مجانين؟

فنّان مثل فنسنت فان جوخ Vincent Van Gogh، الهولندي والمولود عام 1853. كان رسّامًا غزير الإنتاج، وصاحب بعض اللّوحات الأكثر شهرةٍ في كلّ العصور بما في ذلك ليلة النّجوم Starry Night وعددًا من صوره الذّاتيّة؛ ومع ذلك، كان ضحيّةً للاكتئاب، وقضى وقتًا لا بأسَ بهِ في مأواه، وكما نعرف قطعَ أذنهُ اليُسرى عام 1888 ليُهديها إلى عاهرةٍ أحبّها، وعندما بلغ السّابعة والثّلاثين من عمره، أطلقَ النّارَ على صدرهِ بمُسدّس!

ليلة النّجوم Starry Night
ليلة النّجوم Starry Night
فنسنت فان جوخ Vincent Van Gogh
فنسنت فان جوخ Vincent Van Gogh

بالمثل سلفادور دالي Salvador Dali الرّسامُ الإسباني الشّهير الّذي اشتهرَ بعمله إصرار الذّاكرة The Persistence of Memory -لوحةٌ تُشبهُ الحلمُ والمخدّر الّذي يتميّز بذوبان السّاعات أو ارتخائها أو ميوعتها-؛ ومع أنّ دالي لم يكُن مجنونًا أو مُكتئبًا؛ إلّا أنّهُ عادةً ما ينخرطُ في سلوكٍ عامٍّ غريب الأطوار ومُثيرًا للقلق، فعلى سبيل المثال: دفعَ أحد أصدقائه عن الجسرِ عندما كان طِفلًا!

من أقواله:

أنا لا أصنعُ المُخدّرات، أنا مُخدّرات!

سلفادور دالي Salvador Dali
سلفادور دالي Salvador Dali

مايكل أنجلو Michelangelo؛ مع أنّهُ لا تُوجد علامات صريحة على جنونه؛ إلّا أنّ كثيرين يعتقدونَ أنّهُ إضافةً إلى الاكتئاب، عانى مايكل أنجلو من مرض التّوحّد. في النّهايةِ كان شديد الهوس بعمله وقضى أربعَ سنواتٍ مُرهقةٍ في كنيسة سيستينا Cappella Sistina دون انقطاع. إضافةً إلى ذلك، يقولُ التّاريخُ إنّهُ تجاهلَ أيّ نوعٍ من النّظافةِ الشّخصيّةِ من أجل مشروعاته!

مايكل أنجلو Michelangelo
مايكل أنجلو Michelangelo

إميلي ديكنسون Emily Dickinson، من أهمّ الشّاعرات الأمريكيّات في القرنِ التّاسع عشر؛ ومع أنّها ليست فنّانة بصريّة، تجدُرُ الإشارة إلى نوبات قلقها الاجتماعي. وُلدت عام 1830، وكان يُنظرُ إليها -في الغالب- على أنّها انحسارُ الطّيور الغريبة الّتي قضتْ مُعظم حياتها البالغة في غُرفتها. في حياتها، لم يُنشر لها سوى إحدى عشرة قصيدة؛ ولكن بعد وفاتها البالغة (55) عامًا، اكتُشِف أنّ ميولها المُعادية للمُجتمع كانت مصدر إلهامٍ لكتابها السِّرّي المكوّن من (1800) قصيدة وجدتها أُختها بعدئذٍ.

إميلي ديكنسون Emily Dickinson
إميلي ديكنسون Emily Dickinson

سيلفيا بلاث Sylvia Plath، وهي شاعرة وروائيّة وكاتبة قصّة قصيرة أمريكيّة وُلِدت سنة 1932. كانت مريضة بالاكتئاب، وانتحرت في سنّ الثّلاثين بوضع رأسها في فرن غاز!

سيلفيا بلاث Sylvia Plath
سيلفيا بلاث Sylvia Plath

يكشفُ فنانون مثل المؤلف إرنست همنغواي Ernest Hemingway، الّذي عانى مُدّةً طويلةً من الاكتئاب وانتحر عام 1961، عن الخطّ الفاصلِ بين المرض العقليّ والعبقريّة الإبداعيّة.

إرنست همنغواي Ernest Hemingway
إرنست همنغواي Ernest Hemingway

الإبداع والجنون

ثمّةَ صعوبةٌ في تحديدِ مُصطلحاتٍ مثل «الإبداع» و «الجنون». إضافةً إلى ذلك تميلُ الثّقافةُ الشّعبيّةُ إلى تمجيدِ سلوكِ الفنّانينَ الشّاذ، ولأنّ فكرةَ الفنّان المجنون قويّةٌ للغايةٍ، أُجريتْ دراساتٌ عديدةٌ تتبّعت عدم التّوازنِ النّفسيِّ لدى الفنّانينَ المُبدعينَ. في الوقتِ ذاتهِ، كشَفتِ الأبحاثُ عن مُعدّلاتٍ مُرتفعةٍ في اضطراباتِ المِزاجِ (لا سيّما: الاكتئاب الهوسي أو الاضطراب ثُنائي القطب، والاكتئاب المُزمن) بينَ المُبدعينَ؛ ومن ثَمَّ أنت ستهتمّ اهتمامًا كبيرًا بتحليلِ مِزاجِ الفنّانينَ المُبدعينَ، ولن تأخذَ تحليل مزاجِ الطّباخِ وجودة أطعمتهِ على محمل الجدّ.

أجرى الدّكتور أرنولد م. لودفيج، وهو أستاذ الطّب النّفسي في جامعة كنتاكي دراسةً استمرّت عشر سنوات درسَ فيها أكثر من ألف شخص. خلصت الدّراسة إلى أنّ الاضطراباتِ النّفسيّة شائعة بين الفنّانين أكثر من غيرهم في المِهنِ الأُخرى، وأنّ الشُّعراء كانوا أكثر الأشخاص تعذيبًا؛ في حين أنّ العُلماء هم الأكثر توازنًا واستقرارًا. دراسةٌ أخرى أجرتها نانسي أندرياسان من جامعة أيوا أنّ (67 %) يُعانون من اضطرابٍ عاطفيٍّ.

يُجادلُ كثيرون بأنّ عدم الاستقرار هو شرط أساسي للابتكار؛ إلّا أنّ ثمّة نظريّاتٌ كثيرة حول السّبب الّذي يجعل الارتباط بين الإبداع والجنون يكشفُ عن نفسه.
إحدى الأفكار أنّ هناك أساسًا وراثيًّا للاضطراباتِ العاطفيّة، فإنّ الجين Gene نفسه قد يُنتج فنّانين أيضًا. يُشيرُ علماءُ الوراثة إلى أنّ الطريقَةَ الّتي يُثيرُ بها الاكتئابُ الهوسي نشاط الدِّماغ، يُؤدّي إلى تأرجحٍ شديدٍ في المشاعر؛ عندئذٍ قد يُصبح الدِّماغُ أكثر  قُدرةٍ على توليفِ الأفكار غير المُتجانسة. قد يكونُ إعادة تنظيم المشاعر المُتباينة في نظامٍ جديدٍ هو جوهرُ الإبداع.

قال الدكتور سيبيل بارتين، أستاذ فخري في علم النّفس:
«إنّ المفهوم الآخر هو أنّ الفنّانين يبدون مُضطّربين عقليًّا لأنّ الجنون والإبداع مُتجذّران في اللّاوعي. وأضافَ: إنّ المشاعر السّريّة والتّهديدات للحياةِ الدّاخليّة: العدوان، والخيال الجنسي وغيرها من الدّوافع غير المرغوب فيها، يجري قمعها في الحياةِ اليوميّةِ؛ ولكن يُعبّر عنها الفنّان بوجهٍ غير طبيعيّ، خالية من الدّفاعاتِ ومن مغزىً ما؛ وعلى هذا تأخذ قالب الجنون».
قالَ أيضًا: «إنّ السّؤال المُهمّ الّذي يجبُ طرحه هو ما إذا كان الفنّانون رائعين مع أنّهم مُضطرّبون عقليًّا، وليس بسببه»؛ لأنّهُ يرى أنّ الرّبط بين الإبداع والجنون شيءٌ مُعيب.

هل يصنعُ تلفُ الدّماغِ فنّانًا؟

غالبًا ما يرتبطُ الجانبُ الأيمن من الدّماغ بالعاطفةِ والإبداع، ويرتبطُ الجانبُ الأيسر بالعلوم والطّب، وفي إحدى الحالات المرضيّة استأصَلتْ إحداهنّ ورمًا كبيرًا في الفصِّ الصّدغي الأيسر من المُخّ، وجدت نفسها بعدئذٍ تُكافحُ مع الكلمات. أصبحت القراءة صعبة؛ إلّا أنّ الجراحة نشّطت دماغها الأيمن؛ ما أثار اهتمامها بالفنّ.

ما الّذي حصل؟ إحدى النّظريّات تقول: إنّه عندما تلفت منطقة اللّغةِ المسؤولةِ عن إدارةِ البياناتِ، اضطرّ دماغها إلى التّفكيرِ والتّصرّفِ بطريقةٍ أكثر إبداعًا وحُرّيّة؛ إلّا أنّ علماء الأعصاب يزعمونَ أنّ اهتمامها بالفنّ هو طريقتها في الاستجابةِ لصدمةِ وجود ورمٍ في المُخّ.

هل يختلفُ شكل دماغ الفّنان عن النّاسِ العاديّين؟ رُبّما. في النّهايةِ، لا يوجدُ تفسيرٌ منطقيٌّ يشرحُ العلاقة بين المرض العقلي والإبداع. إذا لم يكن العقل هو الّذي يفصلُ بين العبقرية والجنون في الدّماغِ البشريّ، فماذا يفعل؟ العلمُ لا يعرفُ حتّى الآن، ما يجعلُ هذا الخطّ الضّبابي بين الإبداع والجنون لا يزالُ لُغزًا. رُبّما تشريحُ جماجم المُبدعين سيُجبرُ الدّماغَ في النّهايةِ على التّخلّي عن أسرارهِ.

أنا أشعرُ بالفضولِ لمعرفةِ أفكارك حول هذه القضيّة! إذا كنت ترغبُ في البقاء على اطّلاعٍ على موضوعاتٍ مماثلةٍ فلا تتردّد في متابعةِ مقالاتي والاشتراكِ في القائمةِ البريديّة. في هذه الأثناء، شارك الموضوع أو اترك أسئلتك أو أفكارك (المجنونة) في التّعليقات وسأكونُ سعيدًا بمناقشتها معك!

# ما علاقة الإبداع بالجنون By محمود قحطان،

للمزيد حول الموضوع:

https://en.wikipedia.org/wiki/Creativity_and_mental_illness

الوسوم
اظهر المزيد

محمود قحطان

مُهندسٌ مِعماريٌّ وشاعرٌ. سُعوديّ المولدِ والنّشأةِ والمُقام، يمنيّ الأب ومصريّ الأم. مثّل اليَمن ضمن أفضل (200) شاعر في مسابقةِ أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock