مقالات

جيل الألفية The Millennium Generation

جيل الألفية The Millennium Generation

تتغيّرُ الحياةُ بسرعةٍ كبيرةٍ، ومع مُحاولتنا للتّكيّف معها إلّا أنّها قويّةٌ للغايةِ؛ ولكن كيف تختلفُ الحياةُ بينَ الأشخاصِ الّذين وُلدوا قبلَ الإنترنت مُقابلَ الأشخاص الّذين وُلدوا بعدَ الإنترنت؟

يفعلُ النّاسُ كلّ شيءٍ (أون لاين)، يُقابلونَ الأصدقاء، يلعبونَ ألعاب فيديو، والبحثُ للحصولِ على المعلومةِ أصبح سهلًا جدًّا، وسريعًا. يرى بعضهم أنّ لا اختلافاتَ كبيرة بين الجيلين، فما زالا يفهمان بعضهما بعضًا.

كثيرٌ منّا ينتمونَ إلى الجيلِ نفسه، فمُعظمنا وُلِدَ قبل الإنترنت. عشنا قبلَ الإنترنت؛ لهذا السّبب نتصرّفُ بالطّريقةِ الّتي نتصرّف بها الآن.

ما الّذي يفصِلُ بين النّاس أو يُقسّمهم؟

أظنُّ أنّ الإنترنت هو الّذي يفصلُ بين النّاسِ. لا أظنُّها: السّياسة. الغنى. الفقر. الذّكر. الأنثى. العِرق… لا شيءَ من هذا، ما يفصلُ النّاس عن بعضهم بعضًا هو هذا السّؤال: هل عِشتَ قبل الإنترنت؟ نعم أم لا، هذا هو الفاصل.

لديّ عمرٌ يكفي لأنّ أُقرّرَ أنّهُ ليس جميع النّاسِ سيّئين. أنا لا أحكمُ على أحدٍ. عندما أُقابلُ شخصًا لا أحكمُ عليه فورًا. أُعطيه فرصةً ليتكلّم، وأعطي لنفسي الفُرصة لأسمع، بعد ذلك يُمكنني الحكم.  نعم، لديّ أفكارٌ عن مجموعةٍ من النّاسِ كنتُ أكرههم؛ ولكن بعدئذٍ اتّضحَ لي أنّهم جيّدون.

في البدايةِ كرهتُ جيل الإنترنت، جيل (البوكيمون)، وبعد ذلك أدركتُ أنّهم غير مُزعجين، هم يعيشونَ داخل بيوتهم مُنغلقينَ على أنفسهم ولم يحتكّوا بالعالمِ الخارجيّ بوجهٍ كافٍ مثلنا، إنّهم قليلو الخِبرةِ فحسب.

نعم، الألفيّون ليس لديهم الخِبرة كما هي لدينا؛ لذلك (25) سنة اليوم، و (25) سنة في (1980)، يختلفان تمامًا في خبرتهما وطريقة تعاملهما مع الحياةِ. لماذا يختلفان؟ بسبب الإنترنت الّذي فصلَ النّاس. الآن، أنا أشعرُ بهم؛ لأنّني ظننتُ أنّهم ضُعفاء، إنّهم ليسوا ضُعفاء، إنّهم يبذلونَ أقصى ما في وسعهم  في العالم ويفعلونَ ما لم أكُن مضطرًّا إلى فِعلهِ.

عندما كنتُ طفلًا -وكثيرٌ منّا كانوا أطفالًا- لم نكنْ نعرفُ شيئًا، لذلك لم نتمكّن من فعلِ بعض الأشياء؛ إلّا أنّني أذكرُ عندما كنتُ أخرجُ من المنزل في السّابعة صباحًا ولا أعود إلّا السّابعة مساءً، أيّ أنّني طوال اليوم خارج المنزل ولم أرَ أبي أو أُمّي. لم يكُن يهمّنا ارتداء حزام الأمان في السّيارة، لم نكن نلبَسُ خوذةً عندما نركبُ درّاجتنا، لم نكنْ نهتمُّ أينَ سنسبحُ في النّهرِ أو البُحيرةِ أو (التّرعة)، المُهمّ أن نسبح. هل يفعلُ أطفال هذا الجيل الشّيء نفسه؟ مُعظمهم لا. صاروا يهتمّون ويُدقّقونَ بكلّ التّفاصيل الّتي لم نكُن نُعيرها اهتمامًا. عندما تُخبرُ أحدهم: «أتذهب معنا لنسبحَ في النّهر»، سيقول: «لا، لا، إنّهُ شيءٌ خطير!». «هل يُمكنك أن تترك المنزل في السّابعة صباحًا لنخرجَ في نُزهةٍ؟ لا، لا، قد يأخذك أحدهم، هذا خطر!».

لماذا عندما كُنّا أطفالًا كان يُمكننا فعل أيّ شيء، وأطفالُ هذه الأيّام لا يُمكنهم؟

حسنًا، ماذا عن شخصٍ في الخامسةِ والعشرين من عمره في سنة (1980) وشخص في العُمرِ نفسه في سنة (1940) هل يختلفان؟ ليسَ كثيرًا. في الغالبِ مرّا بالتّجاربِ ذاتها وخبرتهما في الحياةِ مُتقاربة. أمّا في سنة (2019) بالتّأكيد، سنجدُ اختلافًا عظيمًا. السّبب: الإنترنت.

جيلنا وجيلهم

كانَ العالمُ خارج مدينتنا موجود في الصّحفِ والجرائد. هل يقرأُ الأطفالُ الصّحف؟ لا. هل تقرأُ الأمّهاتُ الصّحف؟ رُبّما. هل يقرأ الآباءُ الصّحف؟ الأكثريّة يفعلونَ ذلك. هل يتحدّثُ الآباءُ ويُخبرون أطفالهم حول ما قرأوه في الصّحف؟ هذا لا يحدث. إذًا ماذا أعرفُ -وأنا طفلٌ- عن العالمِ الخارجي؟ لا شيء. لا أعرفُ أيّ شيءٍ خارج مُجتمعي. اليوم لدى أطفالنا الإنترنت.

في الماضي كان يُمكنك معرفة من يكذب عليك من عينيه. كانت أيّامًا مُمتعة! لم يعُدْ على النّاسِ أن ينظروا إلى أعينِ بعضهم بعد الآن. تُريدُ أن تعرفَ الحقيقة؟ ابحثْ عنها في جوجل Google. لم يعد يتعيّن علينا النّظر إلى الوجوه. الآن، يُمكنك فحص عالمك واختياره، أن تتبعَ من تُريد. من يتّفقُ معك. على سبيلِ المثال لنتحدّث عن الدّين: أنا مُسلمٌ وأؤمنُ بما يقولهُ الإسلام، فإذا كنت تُعارضني في (الفيسبوك Facebook) يُمكنني حظرك. إذا كنت لا تُوافقني في (تويتر Twitter) يُمكنني استبعادك. أمّا إذا أرسلت لي رسالةً إلكترونيّة حول المسيحيّة أو اليهوديّة أو المسيحيّة… يُمكنني منعك من إرسال رسائل إلى بريدي الإلكتروني فلا أعد أراها. من المُمكن لي أن أرى الأشياءَ الإيجابيّة حول الإسلام فحسب. يُمكنك مُتابعة من تُريد. يُمكنك مُتابعة الأشخاص الّذين يُوافقونك في أرائك.

عندما كنّا أطفالًا لم يكُن لدينا القُدرة على معرفةِ هُويَّةِ المُتّصل. إذا رنّ الهاتف، عليك الإجابة فحسب. كان يُمكن أن يكونَ أيّ شخصٍ. جيّدٌ أو سيءٌّ. يُمكن أن تكونَ حالةً طارئةً.  بغضّ النّظر عمّن يكون فأنت مُطالبٌ بالتّعاملِ معه. تحدّث فقط.

وأنا صغيرٌ كنتُ أذهبُ إلى الحديقةِ بنفسي. أسأل أمّي: «هل تسمحين لي بالذّهاب إلى الحديقةِ»؟ بالتّأكيد هي لن تُمانع، هي لا تُريدني في المنزلِ أصلًا! هي تُريدُ السّلامَ والهدوءَ؛ لذلك ستُرحّب بخروجي، بل وستُشجّعني على الذّهابِ، وإذا عُدتُ من دون أسناني الأماميّة ستسألُني: «ماذا حدث؟»، وسأخبرها أنّني رميتُ القاذورات على أحدهم، فضربني. فيقول والدي: «نعم، هذا ما يحدث، إذا اعتديت على أحدهم سيعتدي، عليك».  هكذا، فقط، ينتهي الأمرُ من دون مُشكلاتٍ بين الأهل والأصدقاء.

اليوم لا يتركُ الآباءُ أبناءَهم يذهبونَ إلى الحديقةِ بمفردهم.  ويتّصلُ الأبُ غاضبًا ليشتكي: «هل ضربَ  ابنك ولدي؟ إنّ ابنك… بلا… بلا… بلا».

بهذه الطّريقة، أي: الشّجار، يعرفُ الأطفالُ من الشّخص القوي..  لا تكُن جبانًا.  إذا كنت شخصًا قويًّا، هذا يعني أنّك فقدت سنًّا في حياتك. اليوم، مع جيل الألفية The Millennium Generation، ليس ثمّة تداعيات. يُمكنك أن تقولَ أيّ شيءٍ لأيّ شخصٍ -مهما كان عمرهُ أو مكانته- وتذهب من دون أيّ احتكاكٍ جسديٍّ معه.

قطّةٌ منزليّةٌ أليفةٌ

ثمّة أشياءُ عديدةٌ مجنونةٌ نُعَرّضُ لها طوالَ اليومِ في عالم الإنترنت. على سبيل المثال: يجري توعيتك بخطر فيروس أيبولا لشهورٍ طويلةٍ، في النّهاية، تجدُ أنّ شخصًا واحدًا مات بسببه! مع ذلك، فإنّ هذا التّحذيرُ المُستمرّ من الخطرِ المُحتمل يجعلك خائفًا على أولادك؛ لذلك أنت لا تسمحُ لهم بالذّهاب إلى مدينةٍ ما نُقِلَ عنها أنّ الفيروسَ موجودٌ فيها. لا تجعله يخرجُ إلى الشّارع؛ مع أنّ احتمال أن يرى ولدك الفيروس لا تزيد عن (1%). في النّهايةِ؛ ولأنّ كلّ شيءٍ خارج المنزل مرعبٌ، يظلّ الطّفلُ في الدّاخل مع الإنترنت حتّى يبلغَ العشرين عامًا؛ لتكتشف -بعدئذٍ- أنّك ربّيتَ قطّةً منزليّةً أليفة!

Indoor cats
Indoor cats

سؤال المقال: كيف تختلفُ الحياةُ بين الأشخاصِ الذين وُلدوا قبل الإنترنت مقابل الأشخاص الّذين وُلدوا بعد الإنترنت؟ ما بعض الأشياء الّتي فعلتهَا عندما كنت طفلًا لا يُسمح لأطفال اليوم أن يفعلوها؟

# جيل الألفية The Millennium Generation بوساطة: محمود قحطان،

الوسوم
اظهر المزيد

محمود قحطان

مُهندسٌ مِعماريٌّ وشاعرٌ. سُعوديّ المولدِ والنّشأةِ والمُقام، يمنيّ الأب ومصريّ الأم. مثّل اليَمن ضمن أفضل (200) شاعر في مسابقةِ أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock