مقالات

ذكريات معمارية 2

ذكريات معمارية 2

بعد السلسلة الأولى من ذكريات معمارية، أضع السلسلة الثانية..

10_ العمارة مهنةٌ نخبويةٌ بالدرجةِ الأولى، بمعنى أنَّ المهندس المعماري لا يُمكنهُ الإنخراط بكلِّ سهولة في مجتمعهِ، فهو ليس كالطبيب –مثلًا-، لذا فإنَّ جميع تعاملاته تبقى محصورة مع نخبة المجتمع، أي القادرين على احتكارِ مساحةِ أرض ومن ثمَّ تصميم مبنى خاص بها وتنفيذه.

11_  هناكَ تجاهل كبير لأهمية المعماري، والحقيقة الأكثر إيلامًا، أنَّ المجتمع لم يعد يهتم بهِ، –مثلًا- عندما يرغب أحد الملاك تصميم فيلتهِ، فإنَّهُ على استعداد أن يخسرَ مليون ريال ثمنًّا لتنفيذها، لكنَّهُ غير مستعد أن يدفع مبلغ 5000 ريال فقط ثمنًا للتصميم! وهذا تناقضٌ عجيب، واستهتار بأهميةِ التصميم.

12_ الأكثر استفزازًا، عندما يأتيك الزبون لتصمِّم لهُ فيلتهُ، فإضافةً إلى عدم تقديرهِ لقيمتكَ كمصمِّم معماري لهُ فكرهُ ورؤيتهُ الخاصَّة، نراهُ يُسرعُ في تصفحِ الكتبِ والمجلَّاتِ المعمارية الهزيلةْ، ويسبحُ في عالمِ الإنترنت داخلَ مواقع العمارة المتخصِّصة، كلُّ ذلكَ من أجلِ أنْ يُجبركَ المالك على تنفيذِ أشكال معمارية سخيفة. والسؤال، إن لم يكنْ يثق بقراراتكَ لماذا أتى إليك؟ فهو في هذهِ الحالة لا يحتاج إلى مهندس معماري بقدرِ احتياجهِ إلى رسَّام أتوكاد يُنفِّذ لهُ وجبة كوكتيل التصاميم التي حصل عليها.

13_ العمارة في أزمةٍ حقيقية! لن أبالغ إنْ قلتُ أنَّ كثيرًا من المهندسين المعمارين غيَّروا تخصُّصاتهم مباشرةً بعد التخرج! بل إن كثيرًا منهم إمَّا عمل في الحكومة في وظائف لا تمت للعمارة بصلة، وإمَّا تحوَّل إلى رسَّام أتوكاد أو مصمِّم جرافيك، وبعضهم تحوَّل إلى شيءٍ آخر غير العمارة. ولن أبالغ إن قلتُ أنَّ جميع زملائي الذين تخرَّجتُ معهم أدهشوني بوظائفهم!

14_ الحقيقة المؤلمة والتي يجب أن أعترف بها، أنَّ المعماري في بلادنا العربية غير قادر على إنجازِ شيء، فأنا لم أسمع عن معماري عربي وصل إلى العالمية أو المحلية، حتَّى (زها حديد) العراقية الأصل، لو لم تقضِّي بقيَّة حياتها في بريطانيا لما أصبحت من كبار معماري القرن العشرين. باختصار، الإبداع يحتاج إلى بيئة إبداع، والحمدلله فمجتمعاتنا العربية قادرة على طمسِ معالمهِ.

15_ هل تساءلتم، ما سرُّ العدد الكبير من مكاتبِ الاستشاراتِ الهندسية؟ هل تعلمون أنَّني كنتُ أعمل في مكتب يحيط به في قطر لا يزيد عن 200 متر خمسة مكاتب أخرى! ما السبب في كثرة عدد هذهِ المكاتب، ولأي غرض؟ –برأي- هناكَ سببان لذلكَ، الأول: أنَّ مهنة العمارة مهنة راقية، فهي مطمح كبير للكثيرين. الثَّاني: الكسب المادي الكبير. بسبب نظام البناء واشتراطات البناء في السعودية فإنَّ جميعَ المكاتب –بلا استثناء- تَعْمَلْ. دخلُ المكتب الشهري لا يقل عن 50000 ريال، على أقلِّ تقدير. ربَّما مصطلح (تجارة العمارة) هي الأنسب في واقعٍ كهذا. بالطبع أتحدَّث عن مكاتب الاستشارات الهندسية والتي لا يحقُّ لكَ الحصول على ترخيص لها إلاَّ بعد مرور عشرِ سنوات –بحسب علمي-، أمَّا أنصاف المكاتب ليست تعنينا.

16_ كثير منَّا يفتقد للثقافة المعمارية، فمعظمنا يعتمد على الأساسيات التي درسها في جامعتهِ، والغريب أنَّنا لا نجد دورات أو شهادات تكميلية خاصَّة بالعمارة كالموجودة في بقيَّة التخصَّصات الأخرى، هل السبب كون العمارة لم تستطع الولوج إلى قلبِ المجتمع العربي؟ أم أنَّ العمارة صعبة، ولا نملك كوادر متخصِّصة يُمكنها أن تضيف للمعماري شيئًا جديدًا؟ أنتَ أيُّها المعماري، كم دورة تأهيلية معمارية دخلت منذ تخرجُّكَ؟

17_ عدم القدرة على تحديد الفرق بين مصطلحي العمارة والهندسة المعمارية، مثلًا الولايات المتحدة تفصل العمارة عن الهندسة، وهناك دول غربية أخرى تربط بينهما، وهناك دول عربية تضع العمارة ضمن قسم الفنون الجميلة، خلط كبير في المفهوم العام ولا أحد يستطيع أن يفرضَ وجهة نظره.

18_  شخصيًا، نفعتني موهبتي في الرسم، في إجادةِ التصميم، لذا أنصح كل من يرغب بالدخول إلى كلية العمارة، إن لم يكن رسَّامًا في الأساس، فسوف يتعب كثيرًا في إكمال مسيرتهِ المعمارية، ولا أقصد بالرسم، الرسم الألكتروني، بل أقصد الرسم اليدوي. بمعنى أنَّ الموهبة هي الأساس دائمًا.

.

.

ربَّما للذكرياتِ بقيَّة،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة وكتاب نقدي. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • سارة

    كلام جميل جدًا وصادق
    أتمنى أن يرى المهندس المعماري النور في عالمنا العربي
    ولكن متى ؟؟

    • @ سارة،

      سيراهُ عندما يكون هناك ثورة على العقل والضَّمير.

  • معلومات رائعه اشكرك جدا