بلاغة

علم البيان: الكناية

علم البيان: الكناية

عندما تقولُ: «هذا الرّجلُ كثيرُ الرَّمَادِ»، فأنت تُثبِتُ جُودَه وكرَمهُ بأماراتٍ أشدُّ وأقوى من ذكرها حقيقةً، فالرّمادُ لا يكونُ كثيرًا إلّا لو كثُرَ استخدام النّارِ، ويكثرُ استخدام النّارِ للطّبخ، أي: للإطعام. فأنت برهنتَ على صفةٍ في هذا الإنسان لا تقبلُ الشّك.

الكناية: أن تتكلّم بشيءٍ وتُريدُ غير معناه الأصلي الّذي وُضِعَ له، مع قرينةٍ تُجوِّزُ إرادة المَعنى الأصلي.

أركان الكناية:

  1. المكني عنه: موضوعُ الحديثِ والكنايةِ ويُستر لإخفائه.
  2. المكني بهِ: لفظُ الكناية، ولا بدّ من التّصريح بهِ.
  3. صاحبُ الكنايةِ: قد يظهر، وقد يُستر تلطّفًا بهِ وحفاظًا عليه.

أنواعُ الكنايةِ باعتبارِ المَكنيِّ عنه، ثلاثة:

  1. كنايةٌ عن صفةٍ: ذِكرُ الصّفةِ المُلازمةِ للموصوفِ، نحو: محمودٌ نقيُّ الثّوبِ. (نسَبتَ طهارةَ النّفسِ إليهِ).
  2. كنايةٌ عن موصوفٍ: تُعرَفُ بالصِّفةِ النّائبةِ عن الموصوفِ، أو بما اشتُهرَ به، نحو: قاتلتُ ملكَ الغابةِ فصرعتهُ. (الصّفةُ النّائبةُ «ملك الغابة» والموصوف هو «الأسد» ولكنّك لم تُصَرِّحْ باسمه).
  3. كنايةٌ عن نسبةٍ: تُعرَف بالإسنادِ إلى ما لهُ اتّصالٌ بصاحبها، نحو: المجدُ بين ثوبيكَ والكرمُ ملءَ بُرديكَ. (لم يُنسب المجدُ والجودُ إلى المُخَاطَب مُباشرةً؛ ولكنّهما نُسِبا إلى ما لهُ اتّصالٌ بهِ، وهما: ثوباه وبُرْداه).

أقسامُ الكنايةِ تبَعًا للوسائط:

لأنّ بعض الكناياتِ قريبٌ وبعضها بعيدٌ، قسّم البلاغيّون الكنايةَ تبعًا إلى الوسائطِ إلى أربعةِ أقسام، وهي: التّعريض، والتّلويح، والرّمز، والإيماء.

  1. التّعريض: إطلاقُ الكلامِ لا ليُراد بهِ ظاهره؛ بل ليُهيئ للسّامع بوسائط كثيرة النّقدِ لموقفه والتّعريض بهِ، وهذا التّعريضُ يُفهَمُ من السّياقِ، نحو لمن يضرّ النّاس: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
  2. التّلويح: إطلاقُ الكلامِ لا ليُراد بهِ ظاهره؛ بل ليُهيئ للسّامع بوسائط كثيرة موقفًا من دون تعريض، نحو: مَتى تَأتِهِ تَعشو إِلى ضَوءِ نارِهِ/ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تأَجّجا. (كنى عن الكرمِ بكثرةِ الحطبِ وتأجّجِ النّيران).
  3. الرّمز: إطلاقُ الكلامِ لا ليُراد بهِ ظاهره؛ بل ليُهيئ للسّامع بوسائط قليلةٍ خافيةٍ للمُداعبةِ والتّحبّب، نحو: فلانٌ من المُستريحين (كناية عن الخمول والكسل)، ونحو: فلانٌ قويّ الشّكيمة (كنايةً عن الشّجاعةِ).
  4. الإيماء أو الإشارة: إطلاقُ الكلامِ لا ليُراد بهِ ظاهره؛ بل ليُهيئ للسّامع بوسائطَ قليلةٍ وواضحةٍ موقفًا من دون تعريض، نحو: سافرَ أخي تصحبهُ السّلامة. (كنايةً عن نسبةِ السّلامةِ إليه).

الفرقُ بين المجاز والكناية:

يكونُ الفرقُ بين المجازِ والكِنايةِ في القرينة، فقرينةُ المجازِ تمنَعُ من إرادةِ المعنى الأصليّ، فلا يُسَوّغُ أن تقول: شاهدتُ الأسدَ مُنتصرًا بالضّربةِ القاضية. المجاز هنا هو الأسد، أي لا يجوزُ إيراد المعنى الحقيقي للحيوان المُفترس، والقرينة المانعة للمعنى الحقيقي هي الضّربةُ القاضية. أمّا في الكنايةِ  فإنّ قرينته لا تمنعُ من إرادةِ المعنى الحقيقيّ، فيجوزُ أن تَعني أنّهُ كثيرُ الرّمادِ حقيقةً.  مع الإشارةِ إلى أنّ دلالة الكنايةِ قد تخرجُ من العمومِ إلى الخصوصِ، فلو قُلنا: فلانٌ كريمٌ، فهو ينطبقُ على كلِّ إنسانٍ كريم، أمّا: فلانٌ كثيرُ الرّمادِ، فهي دلالةٌ على الجودِ وكثرة الكرم، وهي لا تنطبقُ على كلِّ كريمٍ.

# علم البيان: الكناية By محمود قحطان،

الوسوم
اظهر المزيد

محمود قحطان

مُهندسٌ مِعماريٌّ وشاعرٌ. سُعوديّ المولدِ والنّشأةِ والمُقام، يمنيّ الأب ومصريّ الأم. مثّل اليَمن ضمن أفضل (200) شاعر في مسابقةِ أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock