مقالات

الشمعة السادسة

الشمعة السادسة
الشمعة السادسة

الشمعة السادسة

أنا..

أُشبهُ أُغنيةَ الحُزنِ الذي تسيلُ لهُ ذرَّاتُ الوَجَعِ الخَانقْ

وَرِثْتُ رُؤىً غيرُ مرئيةْ،

وعينينِ سائلتينِ،

يلفُّهمَا الألمُ قبلَ أنْ يأتيني الخبرُ من شفتـيَّ الباردتينْ

ولأنَّ القلق القاسي الذي حُفِرَ عميقًا في خلاياي؛

يحرقُني،

يئنُّ بدَاخِلي

يطفُو كمَجرَّةٍ تصرخُ في حُنْجُرَتي؛

سأُطفئُ معِي

الشَّمعةَ السّادسة!

الشمعة السادسة
الشمعة السادسة

في شيءْ… سيبدو كالمُقدِّمة!

        أدخلُ بفضلهِ إلى عالمي، وأدخلُكم مَعي إلى بحاره. تَسبحُ تلكَ البحارُ الّتي تشبهُ في سِعتها إلى حدٍ ما، عيونِ طفلٍ صغيرٍ. هكذا أبيحُ لنفسيَ أنْ أتعاملَ مع الأشياءِ الجَميلة.

        أنا عاشقٌ أبديُّ وفيُّ للجمالِ، وانطلاقًا من هذا الجَمالْ؛ يجبُ أنْ يُعرفَ عنِّي كلَّ شيء. لأنَّني أيُّها الغُرباءُ؛ لا أظنُّ أنَّ باستطاعتي اختصارَ نفسي بغيرِ هذه المفردات.

        هذا هوَ النَّهارُ يا أعزَّائي، يشربُ آخرَ جُرعةٍ منْ كأسِ الأصيل.

        وهذا هوَ الّليلُ… يملأ كؤوسَ حُزنهِ، ويستعدُّ في الضِّفةِ الأُخرى للسِّيادةِ على العالمِ الصّغير المحدود. إنَّهُ يشرَعُ لنثرِ ستارهِ الأسودِ المُعتمِ على الأفُق، ثُمَّ تدثيرِ كيانِنا بدثارهِ المأتميِّ الرَّهيبْ.

        سَيُعلنُ بعدَ قليلٍ بدايةُ الصَّمتِ فيما حَولنا؛ لكيْ تتكلَّم إلينا نفوسُنا هَمْسًا. وسيُؤذَنُ بسيَادةِ الظَّلام؛ لكيْ تُضيء مصابيحَ أرواحِنا في سَراديبِ الوحدَةِ والسّكونْ.

        هكذا، كانَ العالمُ أيُّها الغرباءُ، وهكذا.. كنتُ مُنغمسًا بكلِّ كياني فيه. نعمْ.. رُبَّما كنتمْ أنتم خيالًا طائرًا في فضاءاتِ روحي، أو ربَّما تُصبحون أنتم هو…! لكنْ لديَّ إحساسٌ بأنَّ ذلكَ اليومُ الّذي يُخيفـني سيأتي حتمًا، وتُصبحونَ في ثنايا نهارهِ أو ليلهِ الحقيقة الوحيدةْ!

        كمْ كنتُ أتمنَّى أنْ أتحدثَ إليكمْ عن ذاتي؛ لكنْ أعرفُ أنِّي لو طرقتُ هذا البابِ لأفضى بيّ –كالعادةِ- إلى الّلانهائيِّ والّلامحدودْ؛ وذلك لأنَّني أيُّها المُفرِطونَ في الخيالِ أصنعُ منَ الّلحظةِ عالمًا بذاتهِ، وانغمسُ في الثّانيةِ الواحدةِ كما لو كانت سنينًا عديدة!

        هكذا، أختصرُ نفسي واختصرُ الزّمنَ مع عشقي لتفاصيلهِ إلى حدِّ الجنونِ، وعشقي للجنونِ إلى حدِّ الموتْ!

        يُمكنُ أنْ أُترجمَ كلَّ حياتي في سطورٍ محدودةٍ؛ لكنْ ستظلُّ ما بينَ مُفرداتها هوّاتٍ وهوّاتٍ من الخيالِ.. واسعةٍ سعةَ الّلانهايةِ.

        لا تستغربوا أيُّها الغرباءُ منْ ضآلتي.. نعمْ.. فإنَّ العالمَ الواسعَ الّذي أعيشهُ أبدو مع سعتهِ كمفردةٍ صغيـرةٍ جدًّا، وهذهِ ميزةُ العالمِ الروحانيِّ الرّحب.

        آهٍ، ما أكبرَ هذه السّعةَ! لدرجةٍ تجعلني أبدو معها أكثرَ من العادي في كلِّ شيءٍ.

        فإذا كتبتُ شِعرًا.. كتبتهُ فضائيًّا.

        وإذا نغَّمتُ لحنًا.. ترنَّمتُ بهِ ملائكيًّا.

        وإذا فرحتُ.. فبالإمكانِ أنْ أجعلَ من روحانيّاتي طيورًا مُلونةً، وأهازيجَ، وألعابًا، ومِزهريَاتٍ، وطفولة.

        وإذا حزنتُ.. فلا شيءَ يبدو على ملامحي إلّا شبحًا لحُزني، حتّى البسمةَ أرسمُها فوقَ شفتي شاحبةً أرمليّةً صفراء. والخطوةُ يُـثـقـلها الحُزنُ بإيقاعهِ البّاكي، والنّغـمةُ تصطدمُ بحنجرتي بغـصَّةٍ حزينةٍ تحوّلُها إلى آه.

        ولأنَّني أرى نفسي فيما حولي؛ فسيـبدو كُـلَّ شيءٍ كما لو كانَ باكيًا.

        وإذا قسوتُ.. فسأكونُ في أشدِّ حالاتي ضعفًا.

        أمَّا عندما أعشقُ.. فإنَّ سِعَـتي تـتضاعـفُ وخيالي يـتـوالدُ، وأجنحتي تـكبرُ وتِطوَافي يـزيدْ.

        لا أقولُ عنْ نفسي شيئًا لا أعرفهُ، غيرَ أنَّ العشقَ يجعلني أكبرَ ممَّا كنتُ أتخيّل، وأقوى ممَّا كنتُ أظنُّ، وأكثرَ سعة ممّا قـلتُ قبلَ هذا.

        لا أقولُ أيُّها الغُرباءُ هذه الأشياءَ لأنَّني أُجاملُ نفسي أو أبالغُ فيها؛ لكنْ لأنَّني صريحٌ أتمنَّى أنْ أكونَ أقربَ ما أكون هُنا!

        أنَا لا أطالبكم أنْ تـظـلّوا ترجمةً حرفيّةً لذاتي، أو أنْ تـهْربوا منِّي كلَّما بدوتُ في وجهِ الحقيقةِ الّتي ظـلتْ غائبةً، فشذبتْ بضياعها موهبتي، وشفـَّت روحي؛ لكنَّني –فقط- أُوضّحُ لكم مخاوفي.

        حقيقةً، سُؤالكُم أرَّقـني! ومع أنَّني لمْ أسمعهُ منكم، حقيقةً، مجرّد إحساسي بهذا السّؤال جعلني اهتزُّ للحظةٍ، جعـلَ كُلَّ كياني يرتعشُ، ويُمكنُ أنْ أصحو بعدَ ارتعاشةِ سؤالٍ آخرَ بهذهِ الوَجاهةْ!

        أرجوكم،

        دعوهُ يحدثُ لوحدهِ كمَا لوْ كانَ حُرًّا طليقًا، وأعدكم بأنِّي لن أطالبهُ بالحدوثِ بأنْ لا أسألَ نفسي ولا أجيبُ عن أسئلتكم، وعندئذٍ ستقولونَ بأنّكم لمْ تكونوا تـتوقعون … أو، هكذا أتخيّلُ الآنَ.. الآنَ فقطْ.

        اعذُرني أيُّها القدرُ، فخيالي يجنحُ بيْ إلى الّلامعقولِ، وإلى أبعد ممَّا أتصوّرُ.. حيثُ عِشقي للحظاتي الجميلة وعِشقي للحظاتِ الّتي أصمتُ فيها عن الحديثِ لأصغي لصوتِ الرّوحِ وهي تصلُ إلى أرقى منافذِ الصَّفاءِ.

        اعذروني أيّها الغُربَاءُ منْ أيِّ كلمةٍ كتبتـُها واستغربتمْ لها، فالكلماتُ تقفزُ منِّي، وتبـثُـقني منَ الدّاخلِ ولا أملِكُ زِمامَ عِقَالِها.

        اعذروني؛ لأنَّني لمْ أستطع التّحدثَ عنْ نفسي وعنْ سؤالكم كما تريدونَ؛ لأنَّني أعرفُ أنَّني سأظـلُ أتجرّعُ ذلك!

        الأصَحّ؛

        أنْ أُدخلَكم جميعكَم لتكتشفوا أنتمْ بأنفسكمْ.

يُتبع …

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات