مقالات

النسبة الذهبية Golden Ratio

النسبة الذهبية Golden Ratio
النسبة الذهبية Golden Ratio

 مُقدَّمة

إقليدس، عالم رياضي إغريقي شهير، ولد سنة 300 قبل الميلاد. اكتشفَ هذا العالمُ نسبةً عجيبةً تتجلَّى في أشياءَ كثيرةٍ فينا ومن حولنا، أُطلقَ على هذه النِّسبة (النسبة الذهبية Golden Ratio). هذه النِّسبةُ مُدهشةٌ ومُحيَّرة بوجهٍ لافتٍ، ولا أحد يعلمُ سرّ جاذبيتها؛ مع أنَّها نسبةٌ بين طولين!

النسبة الذهبية Golden Ratio
النسبة الذهبية Golden Ratio

الرَّقمُ الذَّهبي

فكرة النسبة الذهبية Golden Ratio يسيرة: تخيَّل أنَّ لديك خطًّا مقسومًا إلى قسمين، قسم أطول، وقسم أقصر، سنُسمِّي القسم الأطول (A)، والقسم الأقصر (B). إذًا الخط هو (A+B)؛ فإنَّ حاصل قسمة A/B= A+B/A

الفكرة نفسها: نفرضُ أنَّ النقطةَ C تقسمُ القطعة AB بهذه النسبة:

بوجهٍ آخر:

إذا كان لديك خطٌّ أو مُسطَّحٌّ طوله (100%) اقسمهُ إلى جُزأين الأكبر (62%) والأصغر (38%) (هي أن يكون الجزء الأصغر 1 والجزء الأكبر 1.62) وهي تقريبًا نسبة (3) إلى (5).

 

بتعبيرٍ آخر:

لديك خطٌّ طوله (8m)، عندما نقسمه إلى جُزأين سيكون الجزء الأكبر (5m) والأصغر (3m). حاصل قسمة الكبير على الصَّغير 5/3=1.666، وتحديدًا هو الرَّقمُ (1.6180339887)

 

تُسمَّى هذه النسبة الذهبية فاي (PHI) نسبةً إلى (فيدياس). ورمزها:

 

إذًا الرقم الذهبي هو عددٌ حسابي تكرَّر كثيرًا في حساباتِ الرِّياضيين القُدماء. وهو رقمٌ عجيب، يُسمَّى: العدد الذهبي، أو النسبة الذهبية، أو النسبة المقدسة، أو المقطع الذهبي، أو العدد الإلهي لأنَّهُ يدخلُ في مُعظم الأشكالِ الموجودةِ في الطَّبيعة.

المُستطيلُ الذَّهبي

هو مستطيل مكوَّن من مُربعٍ ومستطيل آخر صغير، حاصل قسمة الضِّلع الكبير في المستطيل الصَّغير EF على ضلعهِ الآخر FA، يُساوي حاصل قسمة الضِّلع الكبير في المستطيل الكبير EC على ضلعهِ الآخر EF، فإذا حصلت على ناتجٍ يساوي أو قريبٍ من القيمةِ (1.618) تحصل على المُستطيل الذهبي.

إذًا هي نسبةٌ بين طولٍ وعرض.

clip_image013

المُثلثُ الذَّهبي

هو مُثلَّثٌ مُتساوي السَّاقين، زاويةُ رأسه تُساوي (36°)، وزاويتي قاعدته (72°).

تُعدُّ النِّسبةُ اكتشافًا وسرًّا رياضيًّا خطيرًا؛ فهذه النسبة الذهبية Golden Ratio تُبدعُ الأشياء الجميلة، وتشدُّ الأبصار؛ فيُسَرُّ النّاظرون.

تجعلُ الرَّسمة أخَّاذة:

العشاء الأخير
العشاء الأخير

والصُّورة جذَّابة:

النسبة الذهبية مع الصور
النسبة الذهبية مع الصور

 

والمبنى فاتنًا:

البارثنون Parthenon
البارثنون Parthenon
كنيسة رونشامب Ronchamp
كنيسة رونشامب Ronchamp

والشّعارات مُتناسقة:

لذلك النسبة الذهبية Golden Ratio أثيرةٌ ومحبوبةٌ جدًّا ومهمَّة لدى الرَّسامين والنَّحاتين والمُصوِّرين ومُصمِّمي الدِّيكور والمُهندسين المعماريّين والموسيقيّين وعُلماء النَّبات وعُلماء التَّشريح وغيرهم؛ لأنَّها تدخلُ في أمورٍ كثيرةٍ في حياتنا اليومية وفي الطَّبيعية.

ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci

من لا يعرف ليوناردو دافنشي هذا الرَّسامُ والنَّحات والمعماري والعالِم؟ اهتمَّ هذا العالم -كثيرًا- بعلم التَّشريح، وبسبب أبحاثهِ أدرك أنَّ الجسدَ الإنساني محكومٌ بالنسبة الذهبية. أدرك سرّ جمال الإنسان واتّزانه، فافترضَ مركز ثقل وهمي في جسم الإنسان حول السُّرة، واكتشفَ هذا المُبدع أنَّ قِسمة ما تحتَ السُّرَّة أي: من السُّرَّةِ حتَّى القدمين، على أعلاها، أي: من السُّرَّةِ حتَّى الرَّأس؛ اكتشف أنَّ حاصل قسمتهما يُعطينا النسبة الذهبية أو الرقم الذهبي، ولو قسمت طول الوجه على عرضه، سيُعطيك النسبة الذهبية أيضًا، ومع الوقت اكتشف العُلماء أنَّ هذه النِّسبةُ تتكرَّرُ تكرارًا يكاد يكون لا نهائيًّا؛ ولهذا سُميِّت (النسبة المقدسة) أو (النسبة الإلهية) لوجودها في مُعظم مخلوقات الله عزَّ وجل.

عبَّر دافنشي في كثيرٍ من رسوماتهِ عن النسبة الذهبية، فمن أشهرِ لوحاته الّتي اتّبعت هذا المبدأ: لوحة الموناليزا.

النسبة الذهبية Golden Ratio الموناليزا
النسبة الذهبية Golden Ratio الموناليزا

رَجُلْ فيتروفيان Vitruvian Man

من أعظم إنجازات دافنشي. هو تطبيق لفكرة معماري روماني يُدعى (فيتروفياس) في العام الأوَّل قبل الميلاد. تدورُ هذه الفكرة حول أنَّ الإنسان هو محور الكون؛ لذا يُمكننا استخدام نسب الإنسان في البناء، أي: الانطلاق من الإنسان لتحديد مقاييس المبنى الرَّئيسة ومقاييس تفاصيله، ووصل إلى نتيجة أنَّ الجسمَ البشري في وضعيةِ الذِّراعين والسَّاقين الممدوتين، يتلاءم مع الوضع الهندسي للدَّائرة والمُربَّع.

بقيت هذه النَّظرية بين الكتب حتَّى جاءَ دافنشي ورسم رجُلًا مُتجانس الأعضاء، يُحيطهُ مربعٌ ودائرةٌ مركزها سرَّته، ووجدَ أنَّ أصابعَ اليدين المرفوعتين بحيث يكون إصبعا الوسطى على مستوى الرَّأس، والسَّاقين المفتوحتين، وجد أنَّهما يُلامسان مُحيط دائرة، وعند قياس المسافة من قمَّة الرَّاس إلى أخمصِ القدمين (طول القامة)، نجد أنَّها تساوي مسافة طول الذَّارعين الممدودتين، لنحصلَ -في النِّهاية- على شكلِ مرَّبع.

رجل فيتروفيان
رجل فيتروفيان

بفضل ذلك توصَّل إلى نتائجَ منها:

  • المسافةُ بين السَّاقين تُعطينا مثلثًا متساوي الأضلاع.
  • المسافةُ من جذورِ الشَّعرِ إلى أسفلِ الذَّقنِ تُساوي (1/10) من طولِ الإنسان.
  • المسافةُ من الحلماتِ إلى أعلى الرَّأس، وأقصى عرض للكتفين، والمسافة من أخمصِ القدمين إلى أسفلِ الرُّكبتينِ، والمسافة من أسفلِ الرُّكبةِ إلى بدايةِ العضو الذَّكري؛ جميعهم يُساوون (1/4) طول الإنسان.
  • بدايةُ العضو الذَّكري يقع في منتصفِ الإنسان.
  • فيما يخصّ الوجه مثلًا، فإنَّ المسافة من أسفل الذَّقنِ إلى الأنف تُساوي المسافة من جذورِ الشَّعرِ إلى الحاجبَين.

وغيرها ممَّا استنتجهُ وتوصَّل إليه من رسمهِ لرجلِ بيتروفيان، نتيجة شغفهِ بالجسمِ الإنساني.

إذًا ارتكزت هذه القواعد على قياسِ رأسِ الإنسان وقياسِ وجههِ وأطرافهِ كوحداتٍ أساسية، ثُمَّ قُسِّمَت تلك الوحدات والمُقابلة فيما بينها لتصبحَ وحدات قياسٍ يوميّةٍ وأساسيّة، كالذِّراع مثلًا، الّذي ما زال يُستخدمُ حتَّى يومنا هذا.

متتالية فيبوناتشي Fibonacci

لأنَّ النِّسبةَ هي نسبةٌ بين أطوال؛ يقودنا هذا للحديثِ عن متتالية فيبوناتشي الّتي ظهرتْ قبل دافنشي بنحو 300 عام. نُسِبت هذه المُتتالية إلى مُكتشفها ليوناردو فيبوناتشي (عالم الرِّياضيات الإيطالي)، اكتشفها في أثناء دراسته توالد الأرانب وتكاثرها، ثُمَّ أصبحت من أشهرِ المُتتابعات إلى يومنا هذا. حيثُ إنّها تُستخدم كثيرًا في مجالِ سوق العملات الأجنبية (الفوركس).

هذه المُتتالية سهلةٌ جدًّا، فهي تبدأ برقم (0,1,1,2,3,5,8,13,21,34….)، وفكرتها: أنّ كلّ قيمة فيها تُساوي حاصل جمعِ العُنصرينِ قبله.

من مزاياها أنَّك لو قَسّمتَ أيَّ رقمٍ على الرَّقمِ الّذي قبلهُ، تقتربُ رويدًا رويدًا من الرَّقمِ الذَّهبي. وكلّما صعدتَ مُرتقيًا تكون أقرب إلى النسبة الذهبية قُربًا دقيقًا جدًّا.

إذًا أينما تُذكر متتالية فيبوناتشي فورًا يجب أن نذكر النسبة الذهبية.

قوقعةُ فيبوناتشي

هي قوقعة ذهبية تُرسَمُ بالاعتمادِ على المستطيل الذهبي. يُمكن أن نجدها في زهرِ عبَّادِ الشَّمس، وفي الأصداف.

لوكوربوزييه Le Corbusier

المودولور (الضَّابط Modulor)

في عامِ 1945 م، اعتمد المهندس لوكوربوزييه على المستطيل الذهبي لكلِّ أعمالهِ الهندسية، وألَّف كتابًا يرتكزُ على المقطع الذهبي وعلى مقاييس جسد الإنسان. أطلق عليه تسمية المودولور/ الضَّابط. وهو: تقسيم خط أو تجزئته مع الحفاظِ على التَّناسبيّة بين طوله الكامل وجميع أجزائه الصّغيرة الّتي نحصلُ عليها، والعكسُ صحيح. هي فكرة الخطّ -نفسها- المُتخيّل سلفًا. وبتعريفٍ أدق: هو قياس يعتمدُ على الرِّياضيّات وعلى المقياس الإنساني، يتألّف من متوالياتٍ مزدوجةٍ من الأعداد، المتوالية الحمراء والمتوالية الزَّرقاء.

لوحة التَّناسب (القياس)

هي لوحة استخدمها لوكوربوزييه كأساسٍ للتَّناسب وكأداةٍ للقياس. افترض فيها رجلًا مرفوع الذِّراع، طوله (2.26m)، وضعهُ داخل مربَّعين، (1.13m*1.13m) مُتراكبين على بعضهما، ثُمَّ وضع مُربَّعًا ثالثًا عند موقع الزَّاوية القائمة في المربعين. وعبَّر عنهُ بالشَّكلِ الآتي:

وجدَ لوكوربوزييه أربعَ نقاط في جسدِ الإنسان تؤلِّف تسلسلًا بحسبِ المقطع الذهبي، وهذا التَّسلسل هو متتالية فيبوناتشي المذكورة آنفًا، والنُّقاط الأربعة هي: القدم، السُّرَّة، الرَّأس، أطرافُ أصابعِ اليدِ المرفوعة.

المتواليات الحمراء والمتواليات الزَّرقاء

سُمِّيت متواليات فيبوناتشي النَّاشئة عن العلاقة على أساسِ الوحدة (108) المتواليات الحمراء، والقائمة على ضعفِ تلك الوحدة (226المتواليات الزرقاء. رُسمَ رجلٌ بارتفاع 183م، ثُبِّتَ على أربع نقاط: صفر، 113، 183، 226. ووُضعَ الشَّريط الأحمر إلى اليسار، والشَّريط الأزرق إلى اليمين، ومتواليات الـ تتَّجه نحو الصِّفر في الأسفل، والمُتصاعدة نحو اللّانهاية في الأعلى.

القياس (113) يُعطي الوسط الذهبي (70). بحسب المتوالية الحمراء الآتية:
4, 6, 10, 16, 27, 43, 70, 113, 183, 296,

والقياس 226 (113*2) الوحدة المزدوجة، يُعطي الوسط الذهبي 140، 86. بحسب المتوالية الزرقاء:
13، 20، 33، 53، 86، 140، 226، 366، 592… إلخ.

ستيفن ماركوت وقناعُ الجمل

الدَّكتور ستيفن ماركوت، طبيبٌ وجرَّاحٌ لهُ أبحاثٌ ودراساتٌ في فلسفةِ الجمال وعلمه؛ لأنَّهُ مفتونٌ بالجمالِ وباحثٌ عن أسرارهِ، يقولُ بعد 25 عامًا من أبحاثهِ ودراساتهِ المُستفيضة في علم الجمال، إنَّهُ استطاع اكتشاف سرّ الجمال ومعرفته، حيثُ يُمكن أن يُصاغَ بعبارةٍ رياضيّةٍ تكمُنُ في النسبة الذهبية. أثبتَ هذا العالمُ أنَّ تلك النِّسبة موجودة في جميعِ أجزاءِ جسم الإنسان، في الوجهِ والأطراف، ومن أجلِ ذلك صنعَ قناعًا أسماهُ قناع الجمال، وطَبَّق مقاييسه على مشاهيرِ العالم نساءً ورجالًا، ووجدَ وجوهًا كثيرة تطابقت مقاييسها مع قناعِ الجمال، بالتّأكيد هناك اختلافاتٌ لا نهائيّة لشكل الحاجبينِ والعينينِ والأنفِ والشَّفتينِ والفك… إلخ؛ ليتنوَّع الجمال.

قناع الجمال
قناع الجمال

 

النسبة الذهبية Golden Ratio لا تُعلِّمك التَّصميم، وخطوطها التَّنظيمية يجري اختيارها  على وجهٍ مُعيّن استنادًا إلى متطلّباتِ التَّكوين ذاته، والخطوط لا تفعل أكثر من تحقيق النِّظام والبقاء على مُستوى التَّوازن الهندسي. إنّ خطوطها لا تُوحي بفكرة العمل، ولا تأتيك بأفكارٍ خياليّة، هي فقط تُحقِّق التَّوازن والجمال من طريقِ التَّناسب القياسي.

أخيرًا، إذا استفدت من الموضوع لمَ لا تُفيد غيرك بمُشاركته؟

# النسبة الذهبية Golden Ratio بواسطة: محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

32 تعليق

اضغط هنا لكتابة تعليق

اشترك في نشرة الموقع البريديّة وكُن على الجانب المُشرق من الحياةِ

اشترك في الموقع لتحصل على المقالات الأخيرة فور صدورها، ولتحصل على كتاب «أساسيّات الشِّعر وتقنيّاته» مجّانًا!

يهتمُّ الموقع بالآتي:

  • أساسيّات الشّعر وتقنياته، وعلمي العروض والقافية
  • أفكار ونصائح في الكتابةِ الإبداعيّة
  • مقالات في العِمارة والأدب والحياة
  • تنمية بشريّة وتطوير الذّات والإنجاز الشّخصي
  • قواعد النّحو والإملاء وعلامات التّرقيم
  • تدقيق لغوي وأخطاء شائعة
  • إعراب جزء عمّ والبلاغة وعلومها
  • دروس فيديو في الريفيت والأتوكاد والوورد وغيرها
  • التّصميم المِعماري والتّصميم الدّاخلي
%d مدونون معجبون بهذه: