تطوير الذّات

حب غير متبادل حب من طرف واحد

حب غير متبادل حب من طرف واحد

قد يكونُ أحد أكثر الأشياء المُؤلمة على الإطلاق. في بعضِ الأحيانِ، قد يجعلنا سُعداء مجرّد التّفكير في الأشخاصِ الّذين نُحبّهم؛ ولكن على المَدى الطّويل سيجعلنا حزانى عندما نُدرك أنّ الشّخصَ الآخرَ لن يُحبّنا. مُجرّد التّفكير فيما إذا كانَ الشّخصُ الآخر سوف يُحبّنا أم لا؛ فإنّ هذا الأمر يُمزّقنا من الدّاخل ويظهرُ على وجوهنا، ويُسبّبُ لنا كثيرًا من الألم. كلُّ لحظةٍ نقضيها من دون الحبيبِ تُسبّبُ لنا ألمًا غير قابلٍ للتّفسير. قد ننقلُ للنّاسِ وحتّى للحبيبِ أنّنا سُعداءَ في الحقيقةِ؛ ولكنّنا في الواقع مكسوري القلب.

هذا الحبُّ من جانبٍ واحدٍ يجلبُ إلى أذهاننا فكرة: ماذا لو كان الشّخصُ الآخر لا يُحبّني؟ ماذا لو أنّهُ لن يكونَ لي؟ ماذا لو لم أراهُ مرّةً أخرى؟ ماذا لو… ماذا لو… ماذا لو… كثيرٌ منها!

الحبُّ من طرفٍ واحدٍ يجعلنا نُغيّرُ من أنفسنا حتّى نتمكّن من إيجادِ فرصةٍ أفضل للشّخصِ الّذي يعنينا ليبادلنا الحبّ. هذا النّوعُ من الحبِّ قد يجعلنا نسألُ اللهَ: «لماذا جعلتنا نلتقي هذا الشّخص ما دُمت ستأخذهم بعيدًا عنّا على أيّ حال؟!». نبدأ بإلقاء اللّومِ على أنفسنا لأنّنا أصبحنا في هذهِ الحالة.

عندما نُفكّرُ في أوقاتنا مع الشّخصِ الّذي نُحبّهُ ولا يُحبّنا نُصبحُ تُعساء. تُعساء إلى درجةِ أنّنا لا نعُد نعرفُ ماذا سيحدثُ عندما يُستبَدلُ الشّخصُ الّذي نُحبّهُ بشخصٍ آخر. عندما نُفكّرُ أنّ هذا الشّخص الجديد رُبّما لا يُحبّنا هو أيضًا. يجعلنا نخافُ من فكرةِ أن نُحبّ للمرّةِ الثّانية. نعم، الحب من طرف واحد ليس بالأمرِ السّهل. يضعك في الحُزنِ طوال الوقتِ لأنّ قلبك لا يفهم، ويُحافظُ على توقّعه ممّن يُحبّه. تفسد العلاقات وتتناوب عندما يكون ثمّةَ توقّع. يبدأُ الخراب! لماذا تتوقّع أن تكون محبوبًا؟ تتألّم في كلّ مرّةٍ لا تتحقّق فيها توقّعاتك وينهارُ قلبك. تستمرُّ في مُحاولة إثارة المشاعر نفسها ولا ترغبُ في الاستسلام مع أنّ البابَ مُغلقٌ إزاءك.

لكن لا تلوم نفسك على الانغماسِ في هذا. لا تُخفي عواطفك. شارك مشاعرك مع الشّخصِ الّذي تُحبّهُ فقد يأتي يومًا إليك.

إنّما من وجهةِ نظرٍ أُخرى، يُفترَضُ أن يكونَ الحب غير المتبادل حبًّا غير مشروطٍ؛ لأنّ الشّخصَ الّذي يُحِبُّ لا يُريدُ أكثرَ من سعادةِ الشّخص الّذي يُحبّهُ؛ لذا لا تخسر قلبك فالزّمنُ كفيلٌ بشفائه. ينطبقُ هذا على جميعِ النّاسِ الّذين يُحبّونَ.

السّؤال الحقيقي: هل الحبُّ من جانبٍ واحدٍ حبٌّ مُؤلم فعلًا؟ الحبُّ هو العاطفة، إنّه شيءٌ تشعرُ به سواء مع شخصٍ أم غيره. عندما تُحبُّ لا تهمّ المسافة بينكما، لا تحتاجان إلى الحديث طوال اليوم لتُثبتا أنّكما تُحبّان بعضكما بعضًا. الحبُّ الحقيقيّ لا يُمكنُ تفسيرهُ بالكلماتِ. لا يوجد شيءٌ يُسمّى «أحبّك أكثر، أنت تُحبّني أقل». لا يوجد «أنت» أو «أنا» في الحبّ، يوجدُ «نحنُ». إنّهم يُريدون أن يروا بعضهم سُعداء. يعتنون ببعضهم بعضًا، والأهمّ من ذلك أنّهُ يُمكنهم العيش من دون بعضهم بعضًا أيضًا!

يحدثُ الشّيء نفسه في الحب من طرف واحد. أنت تهتمّ بهِ دائمًا. تتواصل معهُ دائمًا. سواء كان الشّخصُ الآخر يفعلُ ذلك أم لا. أنت تُريدُ أن تراهُ سعيدًا. لا المسافة تُؤثّرُ فيكما ولا الوقت. الحبُّ من جانبٍ واحدٍ يُشبهُ الحبّ الحقيقي؛ فهل الحبُّ يُؤلم؟ الحبُّ يتجاوزُ التّعلّق والجذب والسّرور والشّهوة وما إلى ذلك. يجبُ ألّا يكون هناك أيّ دافعٍ أنانيٍّ. الحبُّ الحقيقيّ هو عندما تكون مصدر السّعادة.

إنّ الحبَّ شعورٌ عظيم، ومن الطّبيعي لأيّ شخصٍ يُحِبُّ أن يُعبِّرَ عن مشاعرهِ؛ ولكن عندما لا يشعرُ الشّخصُ الآخرَ بِحُبِّكَ لا تتجاهله، ولا تُحاولْ أن تَمحي من ذاكرتهِ اعترافك بحُبّك له، أو أن تُعاملهُ ببرودٍ ولا مُبالاةٍ؛ لأنّه يُفترض أن يكون الحبّ من جانبٍ واحدٍ حبًّا غير مشروطٍ وبلا مقابل، وإلّا فأنت لم تحبّه من الأساس.

قد يكون الحبّ من جانبٍ واحدٍ مُؤلمًا؛ لأنّ السّعادة الّتي تحصلُ عليها في الحبِّ من جانبٍ واحدٍ مؤقّتة. لماذا تُذعن للمشكلة؟ إذا أحببت شخصًا ورفضك، استمرّ في حياتك وضع في اعتبارك أنّ كلّ شيءٍ يحدثُ لسببٍ ما. رُبّما شخصٌ أفضل هو في انتظارك في المستقبل.

كانت ثمّةَ فتاةٌ صغيرةٌ وجميلة أُحبّت صبيًّا وسيمًا، كانت تُحبّهُ بجنونٍ واعترفتْ لهُ بمشاعرها ولكنّهُ لم يُبدِ أيّ ردّة فعل. كانتْ مُدهوشةً تمامًا من سلوكهِ. كُسِرَ قلبُها وفقدت إيمانها في الحياةِ وفي الحبّ. كانت الحقيقةُ أنّ الصّبيّ لم يهتم. أعلمُ أنّ هذا الشّيء فظيع، فظيعٌ تمامًا؛ ولكن الشّخصَ الّذي اختبرَ الحبَّ سيفهمُ فظاعته. يُقالُ إنّ الحبَّ من جانبٍ واحدٍ يُشبهُ مُطاردة القمر، أنت تعرفُ أنّهُ موجودٌ هناك في السّماء ولكن لا يُمكنك الوصول إليه.

من غيرِ الصّحيح أن تلومَ الشّخصَ الآخر لأنّهم غير مسؤولين عن هذه المشاعر أو هذه الفوضى الّتي حدثت في قلبك. رُبّما كانوا أصدقاء جيّدين لك ولكنّك من أساء فهمهم. في الحبِّ يحترمُ شخصان بعضهما بعضًا. يحترمون قراراتِ وأولويّاتِ بعضهم بعضًا. إذا كانَ الشّخصُ غير مستعدٍّ لحبّك لا تلومه. حاول أن تُدرك أنّ ثمّةَ سببٌ وراء ذلك.

لكنّني أقترحُ أن يُقدّمَ الشّخصُ الّذي لا يُبادلك الحبّ تفسيرًا عادلًا لعدم حبّه لك. لا تتجاهل الشّخصَ الّذي يُحبّك. أعطِها إجابةً يسيرةً مثل: «أنا لا أشعرُ نحوكِ كما تشعرينَ نحوي»، أو «أنا أحترمُ مشاعركِ ولكن أودُّ أن أكون صديقكِ فحسب»، أو «أنا مُعجبٌ بكِ حقًّا ولكنّني لم أصلْ إلى مرحلةِ الحبّ، أمهليني بعض الوقت»، أو أيّ ردٍّ آخر يصونُ كرامة الشّخص الّذي يُحبّك، ويُظهر اهتمامك واحترامك لشخصه. لن يُساعدها هذا النّوعُ من الإجابة على نسيانكَ فحسب، بل وستحترمك في المقابل أيضًا. لكن من فضلك، لا تتجنّبهم أو تتجاهلهم لأنّهم يمرّون بأوقاتهم الأسوأ ويحتاجونَ إلى مُساعدتك لهم على الخروجِ منها. الشّخصُ الّذي يُحبّك سيحترمُ مشاعرك وقد يأخذُ مسارًا مُختلفًا؛ لذا يُرجى التّواصل معهم وإلّا قد ينتظرونك على أمَلٍ خاطئٍ بأنّك قد تكون لهم في يومٍ ما؛ لذا لا تتركهم يُخمّنون؛ إنّ إجابةً صادقةً منك ستكون موضع تقديرٍ كبيرٍ منهم.

الحب من طرف واحد مُؤلمٌ؟ رُبّما! لكن المؤلمُ أكثر أن ترى الشّخص غير مُهتمٍّ بك. رُبّما يشعرونَ أنّهم رائعونَ ولا يستحقّونك، ورُبّما يشعرونَ أنّك أكثر روعةٍ منهم وهم لا يستحقّونك، في الحالتين تذكّر أنّ لك قيمة،  وأنّ «حبّ الصّيف يمحو عادةً حبّ الشّتاء».

المُهمّ أن تفهمَ أنّهُ ليس كلّ حب غير متبادل كانت نهايته حزينة، ثمّةَ نهاياتٌ سعيدةٌ عندما يكونُ ردّ فعلِ الشّخص الآخر إيجابيًّا، هؤلاءِ النّاس يستحقّون التّقدير والثّناء لإدراكهم وقَبولهم بعضهم بعضًا كما هم، افهم أيضًا أنّ الحبَّ ليسَ لضعيف القلبِ. كُنْ جريئًا وتقبّل الألم. حلّقْ وارتفعْ مثل العنقاء (طائر الفينيق) واقبل أنّك لست محظوظًا، وثِقْ في أنّ مُعظمنا كذلك. لكن هذا لا يعني أنّك أقلّ. في الواقعِ أنت تنتمي إلى شيءٍ أندر وأنقى، أنت ذاتك!

# حب غير متبادل حب من طرف واحد By محمود قحطان،

الوسوم
اظهر المزيد

محمود قحطان

مُهندسٌ مِعماريٌّ وشاعرٌ. سُعوديّ المولدِ والنّشأةِ والمُقام، يمنيّ الأب ومصريّ الأم. مثّل اليَمن ضمن أفضل (200) شاعر في مسابقةِ أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock