بين راحتين من ورق

الكتابة عمل انقلابي: شعر، سياسة، رثاء

الكتابة عمل انقلابي
الكتابة عمل انقلابي

الكتابة عمل انقلابي: شعر، سياسة، رثاء

عنوان الكتاب: الكتابة عمل انقلابي.

المؤلف: نزار قبَّاني.

الطَّبعة: الطَّبعة الأولى 1975م، منشورات نزار قبَّاني، بيروت.

الحجم: 17*12، بعدد (270) صفحة.
رابط تحميل: الكتابة عمل انقلابي.

الكتابة عمل انقلابي: شعر، سياسة، رثاء
الكتابة عمل انقلابي: شعر، سياسة، رثاء

.

الكتابة عمل انقلابي

  1. مجموعة مقالات كتبها نزار قبَّاني على مدارِ ثلاث سنوات (73، 74، 75). عدد المقالات (25) مقالة. يُمكن اختصار مواضيعها في ثلاثِ تصنيفاتٍ:
    (شعرية)، (سياسية)، (رثاء ولده توفيق).
    .

    من منَّا لا يعرف نزار قبَّاني، الشَّاعر العذب، الذي طبع قلوبنا بالحبِّ والرُّومانسية. وحوَّل قصيدة الشِّعر إلى رغيفٍ، يأكلهُ الغنيُّ والفقير، والعالمُ والجاهل، والرَّاقصةُ والسِّياسي!. هذا نزار كما تعرفونه. ولكن الأغلبية لا يعرف أنَّ نزار (ناثرٌ) قدير. فكتاباته النَّثرية لا تخلو أبدًا من الشِّعرِ، والسَّردِ الجميل، والأفكار النَّقدية المُبتكرة، والسُّخرية، والكثير من الجُرأة.

    .

    ماذا يقصد نزار بالإنقلاب؟ الانقلاب حسب ويكيبديا: (تغيير نظام الحكم عبر وسائل سلمية أو غير سلمية). ولكن هل يقف هذا التَّعريف عند هذه الحدود السِّياسية، بحيث لا يُمكنه أن يتخطَّاها؟ الانقلاب بحسبِ نزار: هو تغيير نظام الكتابة، والثَّورة على كل الآفات الفكرية التي زرعتْ نفسها في نفوسنا منذ الأزل. نزار يبحث عن الكتابة التَّحريضية، أو الكتابة القشعريرة، التي تنتفضُ لها حواسك وترتعش إعجابًا. الكتابة التي تجعلك في حالة دائمةٍ من التَّفكير، وإعادةِ التَّفكير. يُنادي باليقظةُ التي يحتاجها كل كاتبٍ، يقظةُ روحه، وفكرهِ، وعقلهِ، ضدَّ الأوضاع الافتراضية التي يجب أن تبقى مرحلة سابقة. ولكي يُحقِّق ذلك، يحتاج إلى أن يسير في الاتجاه المُعاكس، أن يقلب القوالب التي أعاقتْ ظهوره وانتشاره، وأزعجت ظهرهُ تلك الأحمال الرَّديئة التي شوَّهت طريق سيره. بكلِّ كاتبٍ قوى ذات تأثير، عليه أن يتعلَّمَ كيفية استخراجها من أعماقه، ليتخلصَ من مرضه، وزيف التَّيار الذي سلكه طويلًا، فتكتَّلت خُطاه، وثقلت، حتَّى كاد أن يتجمَّدا!
    .

    على الشَّاعر أن يتخطَّى الأبعاد. ويخلق في كلٍّ لحظةٍ مسافاتهِ التي تأخذهُ إلى ما بعد حدودِ الواقع. عليه، أن يكون ذا رؤيا مستقبلية، ولا يكتفي بالبقاءِ محلك سر، والوقوفِ على عتبةِ الأولين كصخرةٍ جامدة. أن يكون كالبحرِ، وأن يُغيّر جلدهُ مرَّتين في اليوم، كل اثنتي عشرة ساعة -لو اضطَّر إلى ذلك-، ليرتفع عاليًا بالتَّدريج، ويقلق، ويضطَّرب، ويغلي، لتتحرَّك في داخله، كلّ كريَّاتِ دمهِ الحمراء والبيضاء بحركةٍ دوريةٍ تُؤسِّسُ لظاهرةٍ أدبيةٍ جديدة. على الكاتب أن يتخلَّص، من الأفكار التي تربَّى أو ربَّى نفسه عليها. تلك الأفكار ذات الوجه الثَّابت والمألوف. أن يثور على الألفاظِ المُجرَّدةِ، والمؤسَّساتِ التي تفرضُ نفسها كعضال. ليشقَ طريقًا جديدًا، مُبهرًا، مؤثِّرًا، بُخطىً واثقةٍ فريدة. فكلُّ هذا، كفيل بخلقِ شخصيةٍ ذاتيةٍ مستقلة. إذًا لتصل، يجب أن تنقلب. فالإنقلاب، هو السَّبيل المنشود لطمسِ حقيقةِ الواقع. والإنقلاب هو قتل الحاضر للانطلاق نحو المستقبل.
    .
    صحيح أنَّ الماضي شيءٌ أصيل ولا يُمكن العبثُ به. ولكن على الماضي أن يكون جسرًا زمنيًّا يقودنا نحو المستقبل، نحو الحداثة وما بعد الحداثة. فنحنُ أبناءُ الحاضر والآتي، لا الماضي. وعلينا أن ننظرَ دائمًا للأمام وللغد. فكيف ننظرُ ثُمَّ نسيرُ إلى الوراء؟ على الماضي أن يكون قوس قُزحٍ يصعد بنا لنرتقي دومًا للأعلى. وهناك فرقٌ معنوي كبير، بين الماضي والحاضر. فلا يجب أن نُلقي بظلالِ حاضرنا التَّعيس على ماضينا. فماضينا ثري وغني جدًّا بكلِّ الأفكار المُستقبلية. لكنَّهُ يحتاج إلى قدرةٍ عاليةٍ وخلَّاقة وواعية للإحساسِ بنضارتهِ. فنحنُ للأسف، تعوّدنا أن نُعلقَّ على شمَّاعةِ الماضي، فشلنا، وضعفنا، وعدم إبداعنا. أو تعوَّدنا أن نأخذ منهُ أسوأ ما فيه، بأخطائه، ومفاسدهِ، ورؤاه العقيمة.
    .

    إذًا كي تكون انقلابيًا، عليك أن تبدأ من نفسك، وتُغالب شهوتها التي تُضعفك وتنال منك. فبداخل كل منًّا كنزًا سماويًّا، علينا أن نتعلَّم طريقة استخراجه. وأن نُكافح ونزيل خيوط العنكبوت والأعشاش البغيضةِ والأتربة التي تطفَّلت علينا طويلًا. فمع الغفوة تتساوى الحدود، ولا يعد التَّفريق بين الغثِّ والسَّمين واضحًا.
    .

    مقالاته حول الكتابة والشِّعر:
    .

    يبدأ نزار في مقال (الكتابة عمل انقلابي) بعرضِ الشَّرط الأساسي للكتابةِ الجديدة، وهو شرط الإنقلابية. ولأنَّهُ شاعر، فقد ركَّز على كتابةِ الشُّعراء، وإن كان يقصد جميع أنواع الكتابة الأدبية. يُصرُّ نزار أنَّ كلّ قصيدة تُكتب يجب أن يكون لها زمنها الخاص الذي لم تتشارك بهِ مع أحد. أن تكون قصيدة اللاشبيه، أن تكون الولادة الأولى. الكاتب الانقلابي هو الكاتب الذي استطاع الخروج من قمقم التقليدية وهزَّ الأرض تحت أقدام العادات والمألوف، وقطَّع الجذور التي تشده إلى الوراء؛ ليخلق عالمًا جديدًا فضائيًا، سماته الدَّهشة والإثارة والإبهار. وهي مهمّة صعبة بحكمِ العقلية العربية التي تتخذ لها من الموروثِ دستورًا لا تحيد عنه. فتعتبر كلّ ثائر بمثابة السِّيجارة التي مع الوقتِ يظهر تأثير دُخانها السَّيء على مُتعاطيها؛ لذا يجبُ التَّحذير دائمًا من ضرره. يقول: “على الكاتب الذي يحترم نفسه، ويحترم الآخرين، أن لا يكون حبَّة فاصولياء! كيف لا يكون حبَّة فاصولياء؟ بإلغاء ذاكرته“.

    التَّمرُّد، ليس من صفاتِ الفاصوليا، فهي مُسيَّرة، منذ ولادتها تتبعُ قوانين الطَّبيعة التي ربَّتها على الطَّاعةِ، والاقتناع بما وصلتْ إليه، وعدم التَّفكير. فلا عقلَ لديها. أمَّا رأس الإنسان، فهو كمغارةِ علي بابا، مليئة بكلِّ الجواهر، والجمال، والحداثة، والأفكار، والاحتمالات، والمُفاجآت؛ ومليئة أيضًا بالكثير من التَّفاهات، والهراء، والاتكالية. وعلى الكاتب أن يُقرِّرَ ماذا يُريد، وماذا سيأخذ. إن تحوَّل رأسه إلى حبَّة فاصوليا؛ إذًا، هو لا يكتب، وإنّما يُمارسُ عادة الكتابة. هو لا يُبدع، وإنَّما يُمثِّل الابتكار. فأقصى ما قام بهِ، هو أنَّهُ قلَّد، وتأثَّر، وحاكى، وتمرَّغَ في عباءةِ كلّ من سبقوه. حتَّى وإن لم يعترف بذلك. لم يستغل نعمة النِّسيان، وتلك هي العلَّةُ التي يُريدنا نزار أن نتخلَّصَ منها؛ (الذَّاكرةُ القويَّة!).
    .

    وفي (ساعة الشِّعر.. ساعة الصَّحافة). يُبرِّرُ لنا توجّهه إلى الكتابةِ الصَّحفية، وكيف أنَّهُ غيَّر قناعاته التي تمرَّس عليها لأكثر من ثلاثين عام.” غير أني ما لبثتُ أن اكتشفت أنَّ الشَّاعر لا يُمكن أن يبقى كصورة الموناليزا مُبروزًا.. ومُعلّقًا من رقبته على حائط متحف، ومنتظرًا أفواج السائحين لتتفرج عليه! اكتشفتُ أن شعر الشَّاعر لا يُعبِّر إلَّا عن عشرة في المئة من فكره، أمَّا التسعون في المئة الباقية فلا تُقال إلَّا نثرًا“.

    بحسبِ علمي، نزار لم يعد لممارسة العمل الصحفي مرَّةً أُخرى، وهذا يُخالف الحقيقة التي توصَّل إليها واقتنع بها بعد هذا الزَّمن الطَّويل. ربَّما ذلك بسبب إصداره بعض الكتب التي مارس فيها الكتابة النَّثرية، ولكنَّها لا تُشابه أسلوب وفكرة المقال.
    .

    وفي (أتوبيسات الشِّعر) ذلك المقال، المليء بالشِّعر والصُّور الجميلة. يتحدَّث عن الوصاية الفكرية للكاتب عمومًا وللشَّاعر تحديدًا. العلاقة الجدلية بين الكاتب والسُّلطة. أيًّا كان نوع السُّلطة. وأيًّا كان غرض إرضاء الأسياد، الذي في الغالب يكون لنيلِ عطاياهم الثَّمينة. فعلى الكاتب أن يتبرَّأ من كلِّ أشكالِ الوصاية التي تفرض ضرائبَ مُرتفعة على كلِّ من يخرج عن خط سيرها. نظام الكفالة لم يعد يُجدي، وعلى الكاتب أن يثور على كل من يُحاول فرض سيطرته عليه. فليس من المعقول أن يحتاج الكاتب إلى موافقةِ ربّ العمل كلما أراد أن يفتحَ حسابًا في قلوبِ مُحبيه. أو أن يأخذَ الإذن إن أراد أن يشتري سفينة فضاء تأخذه بعيدًا عن حرارة الأرض وقسوتها. أو أن يقفَ على أبوابِ السُّلطةِ والهمجية والغطرسة والظُّلم، مادًّا يديه كعاجزٍ أخرسٍ لينال الرِّضا والقبول. أن يأخذ صكَّ حريّته مُصدَقًّا عليه من الغُرفةِ التِّجارية التي تبيع أوهامًا. وكأنَّها بوليصة التَّامين التي تضمنُ لهُ أعيادًا مديدة.

    الاستقلالية، تحتاج إلى أن يُحاربَ من أجلها.

    وهكذا يقف الكاتب العربي ممزقًا بين “وضعه المدني” كرجلٍ متزوج من الحكومة و “وضعه الفني” كرجلٍ يشتهي خيانة زوجته “الحكومة”، ولكنَّه لا يستطيع التَّنفيذ حرصًا على مستقبل الأولاد، وشرف العائلة!“.

    فأيُّ شرفٍ سيبقى للكاتبِ، حين يبيع فكره؟ وأيُّ قيمةٍ لشاعرٍ يحترفُ التَّمثيل والتَّهريج والتَّطبيل كَّلما زار مهرجانًا أدبيًا، أو دُعي إلى مناسبةٍ عامَّةٍ، يحمل معهُ حقيبة جاهزة، تغصُّ بقصائد الرِّياء والنِّفاق، مكوَّمةً كعُلبِ الماكياج في شنطِ النِّساء.

    وهنا أستفيد من قول نزار:

    والشِّعرُ.. ماذا سيبقى من أصالتهِ؟

    إذا تولَّاهُ نصَّابٌ، ومدَّاحُ؟

    وكيف نكتبُ والأقفالُ في فمِنا؟

    وكلُّ ثانيةٍ يأتيكَ سفَّاحُ

    حملتُ شعري على ظهري فأتعبني

    ماذا من الشِّعرِ يبقى حين يرتاحُ؟
    .

    وفي (الشَّاعر وصورته) يتحدَّث عن الاضطراب العقلي والفكري والأخلاقي والخلل السُّلوكي الذي يُصيب بعض الشُّعراء ويُفقدهم شخصية الشَّاعر الحقيقية. تلك الشَّخصية التي صوَّرها نزار، كالأسطورة. فالشَّاعر هو الخرافة التي يجب أن تؤمن بها. هو كائنٌ نقي، واضح، يحمل بداخلهِ جبلًا من المشاعر والأحاسيس البيضاء. هو سفير الحبّ والجمال. هو (الإيراتو)، يحملُ قيثارتهُ ليزرع لآلئَ في نفوس البشر، فتستقيم الحياة.

    ما نلبثُ أن نكتشف أنَّهُ أسقط تلك المُقدِّمة على الواقع الشِّعري واقع المؤامرات والدَّسائس والحروب والإبادة والضَّرب تحت الحزام. الغيرة الشِّعرية التي تأكلُ قلوبًا فقيرة وضعيفة. ويشرحُ لنا كيف يحاول الشَّاعر أن ينال من أخلاقه وسمعته وصورتهِ النَّادرة الفريدة حين ينقلب على نفسه ويثور على قلبه الواسع الذي يسع كل الكون، فينزل إلى مستوى رخيص ووضيع تملأهُ الحفر الكبيرة. ليحاول الإيقاع والنَّيل من شاعرٍ آخر. كيف ينفصل الشَّاعر عن قصائده. فيكتب عن الحبِّ وبقلبهِ أكياس من الكُرْه؟ كيف يكتب عن القيم والمبادئ وفي لحظةٍ يتحوّل إلى أكبر أفَّاق؟ كيف لا يبقى إنسانًا، إلَّا على الورق، ثُمَّ يتحوَّل إلى (زومبي) يأكلُ لحم أخيه الشَّاعر حيًّا، دون أيِّ إحساسٍ بالذَّنب أو شُعورٍ بالنَّدم. حتَّى أنَّني ظننتُ أن نزار يوجّه في مقاله هذا رسالة إلى أشخاصٍ معينين. “ولكن سلطة الشَّعر لا يمكن اغتصابها بانقلابٍ أصفر يُخطِّط له ثلاثة شعراء جالسين في مقهى؟!“.

    إذًا؛ هو تحذير من الانجراف وراء المشاعر والرغبات الشهوانية والحيوانية، فهذه ليست غابة. ولا يجب على الشاعر أن ينزل إلى مستوى أقل من مستوى قامته العالية. فلترتفع أيُّها الشَّاعرُ لنرتفع بك.
    .

    وفي (الهيبييون يكتبون شعرًا). ينتقد شعراء السَّبعينات. وبالرَّغم أنَّ نزار ظهر في منتصف الأربعينات، لا أدري لماذا يتم اعتباره من جيل السِّتينات. ربُّما لأنَّ الشَّاعر يحتاج إلى وقت كي يبني له وجودًا ويحجزُ مكانًا في السَّاحةِ الشِّعرية والأدبية. أو أنَّ لها حسابات خاصَّة لا أعرفها.

    يقصد نزار بشعراءِ السَّبعينات، شُعراء (قصيدة النَّثر)، تلك القصيدة التي ما زلنا حتَّى يومنا هذا، نختلف في أحقِّيتها بحجزِ مكانٍ لها في السَّاحةِ الأدبية أم لا. يقول عنهم: “الواقع أن هؤلاء جاؤوا من العدم.. العدم الثقافي، والعدم الجمالي، والعدم القومي، والعدم التَّاريخي“. يعتبرهم كائنات مرِّيخية هبطت بمظلَّاتٍ مُقعَّرة الشَّكل! فنشرت حين ظهورها كل أشكالِ التَّلوث، وعمَّمت الفوضى واتَّخذتها سبيلًا لأفكارهم الغريبة. نزار ليس ضد التَّجديد، أو تحديث الواقع الشِّعري. لكنَّهُ ضدَّ التَّشويه، ضدَّ الاتكالية والسَّطحية التي تضرُّ بصحَّةِ الشِّعر. عندما تتقدَّم مجموعة لتُرشِّح نفسها في انتخاباتٍ عادلة لنصوِّت لها، نحتاج أن نعرف أهدافهم وماذا يُريدون وما هم قادرين على فعله. أمَّا أنَّني أجيءُ بلا ماضٍ يؤسِّسُني، واصفًا كلّ ما سبقني بأسوأ الصِّفات، مُتعاليًا حتَّى في التَّحدثِ عنهم، مُشمئزًّا منهم، وكأنَّهم أمراضًا مُستعصيَّة، وبكتيريا يجب التَّخلص من آثارها. أن أكون (كالغجر) أرفُضُ الإندماج مع مُجتمعي بما يمتازُ به من ماضٍ وحاضر. هُنا يجب أن أتوقَّف، أُفكِّر، وأقيِّمُ هذا الواقع الجديد. حين أُقرِّرُ أن تغييرًا يجب أن يحدث، يجب أن أعلم تمامًا سمات هذا التَّغيير. جميلٌ أن أنقلَ تجربتي الفريدة، ولكن ليس من الجميل أن أستوردها من الخارج وأحاولُ فرضها على واقعي، بكلِّ ما فيها من احباطاتٍ وعاهات. لقد تمَّ إدارة تلك الفترة بأسوأِ ما يكون. كان يجب على شُعراءِ السَّبيعينات أن يتأقلموا ويتفاعلوا مع واقعهم، لا أن يتمرَّدوا عليه. كان يجب أن يتحدَّثوا بلسان جمهورِ الشِّعر العريض، لا أن يُقيموا على الأطرافِ أبراجًا عاجيَّة، رافضين العاداتِ والتَّقاليد وأنماطِ الحياة في المجتمع الشِّعري. فلكي ألقى تأييدًا، أحتاج إلى الانخراط في مجتمعي لا أن أنسلخَ عنه. هل يُريد شُعراء السَّبعينات، أن نضعَ لهم لافتةً تقول: (ليستخدم شُعراء قصيدة النَّثر البَّاب الجانبي؟).

    إن أول شرط من شروط الثَّورة أن يكون وراءها قضيَّة، وأهمُّ ما يُميِّز الثَّائر، هو أن يحمل تصوُّرًا واضحًا للمستقبل. وفي غيابِ هذا التَّصور، يصبح الإنقضاض على التُّراثِ بصورةٍ مجانبة وغوغائية، عملًا من أعمال التَّخريب“. فهم لم يُقدِّموا بديلًا لديوان الشِّعر العربي. بل أساؤوا له –من وجهةِ نظره- بما يُحاولون أن يحشروا فيه من فوضى ذوقية، ودمار شعري. بشعرهم الذي يُشبه الهذيان. المليء بالألغازِ والعتمة. والكثير من الهُراء. ويُدافعون عنه ويُريدون أن يقنعوننا أنَّ هذا شعرًا، ويوهموننا بوجود إيقاعات داخلية زلزالها قوي، ولكن لا يستطيع تمييزها إلَّا من لهُ عقل مقياس ريختر. وأنَّنا جاهلون ولا نرتقي لمستوى القصيدة. هؤلاء قتلوا الذَّوق الأدبي. وما زالوا يجرُّونا وراءهم في شُبهةِ ما يُسمُّونهُ شِعرًا!

    أعتقد أنَّ نزار كان يقصدهم عندما قال:

    شُعراء هذا اليوم جنسٌ ثالثٌ

    فالقولُ فوضى والكلام ضبابُ

    يتكلَّمون مع الفراغِ فما همُ

    عجمٌ إذا نطقوا.. ولا أعرابُ

    .

    مقالاته السِّياسية:
    .

    في (استقالة الشيطان) يُطالب الأمَّة العربية أن تتحمَّل أخطائها وتعترف بها وتُحاول إصلاحها. ويُحمِّل العقلية العربية سبب فشلها عامي 48 و 67. باختصار هو لا يخشى من الإنسان نفسه، لكنَّهُ يخشى من الشَّيطان الذي بداخله! “إن شيطاننا عربي مئة في المئة”. “فابحثوا عن بديلٍ لهُ تُحمِّلونه –كالعادة- نتائج عصبياتكم، وأنانيتكم، من أيَّامِ داحس والغبراء، حتَّى اليوم“.
    .

    وفي (شرائح فلسطينية.. بالمايونيز)، يقول بحزن: “للمرَّة الأولى أسمع أنَّ هناك (أجناسًا) فلسطينية لا جنسًا واحدًا. وللمرَّة الأولى أسمع أن خصائص النَّوع الفلسطيني ليست خصائص موحدَّة“. ويلوم العرب على مُحاولتهم طهو فلسطين وتقديمها في عشائهم وجبةً دسمة شديدة المرارة. ويستغرب أن نتخلَّص من استعمارنا الخارجي لنستعمر بعضنا البعض!.
    .

    وفي (حبيبي تتعطر بالنفط) يتحدَّث عن سوريا وبقيَّة الدُّول العربية تحديدًا بعد حرب 6 تشرين، أو حرب تشرين التحريرية، أو (6 أكتوبر) عام 1973م. الحرب العربية الإسرائيلية. التي شنّتها مصر وسوريا بدعم القوى العربية. “هل عرفتم كيف يصير وجه الحبيبة… وخريطة الوطن شيئًا واحدًا“. ويُقدِّم شكرهُ الجليل لجميع الدُّول العربية المُشاركة في ذلك النَّصر العظيم.
    .

    وفي (كيسنجر.. قيصرًا).. يتحدَّث فيها عن هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية (1973م-1977م). ويستغرب من الاحتفاء العربي بهذه الشَّخصية (اليهودية-الألمانية). ويقارن بينه، وبين ما فعله الأمير (كليمنس فينزل ميترنيخ ) النِّمساوي ووزير خارجيتها. “ومثلما كان حلم مترنيخ إيقاف المد النابليوني في أوروبا، وعزل الأفكار الثَّورية التي فجَّرتها الثَّورة الفرنسية، فإنَّ سياسة مترنيخ الجديد تقوم على أساس مُحاصرة المد الثَّورة في منطقة الشَّرق الأوسط، ومنع ولادة (نابليون عربي) بأي ثمن“. فلا يجب أن ننخدع بالدِّعاية التي يقوم بها العرب عادةً لتمجيد الشَّخصياتِ الأجنبيةِ، فقط، لمجرَّد كونه أجنبي، فما بالكم عندما يكون أمريكيًا؟! ولا أقل من تذكُّرِ الاحتفاء الذي قوبل بهِ الرَّئيس أوباما، حين اعتقد البعض، أنَّهُ المهدي الجديد!.
    .

    وفي (شوربة الوزير) يعود لهنري كسنجر، وتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. نفس الكره الأبدي الذي نُكنّه الآن لسياسة أمريكا الخارجية، عانت منها الأجيال السَّابقة. تلك السِّياسة التي لم يتغيَّر شيء، فأمريكا ما زالت تُناصرُ القاتل على حسابِ القتيل، وسياستها ما زالت هي السَّائدة حتَّى اللحظة. “إذن.. لماذا نذهب إلى عشاء الوزير-المستشار؟ ما دامت قائمة الطَّعام الأمريكية لم تتغيَّر منذ حزيران 1967م حتَّى اليوم.. وما دام كل الطَّباخين متخرجين من المدرسة الفندقية في تلِّ أبيب؟“.
    .

    وفي (التانغو الأخير في جينيف)، يتحدَّث عن (كسنجر) وعن (القضية الفلسطينية). في مؤتمر جينيف للشرق الأوسط عام 1973م. والذي شاركت فيه مصر والأردن، مُقابل، أمريكا والاتحاد السوفيتي وإسرائيل. نتج عن هذا المؤتمر: عزل الأردن عمليًا عن عملية السَّلام. وتوقيع اتفاق بين مصر واسرائيل. واستبعاد منظمة التَّحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات عن عملية السَّلام (مؤقَّتًا). ويتساءل: “هل أصبحت قضية فلسطين قصيدة سريالية؟ وهل أصبح الفلسطينيون رموزًا.. وكنايات.. وكلمات متقاطعة في القاموس الدَّولي؟“.
    .

    وفي (كازانوفا يبكي في دمشق)، يُعلِّق بسخرية على مقولة كيسنجر: “إنَّني لا أحبُّ السوريين، ولا أحمل لهم مشاعر الود“. ويتحدَّث عن اللقاء الذي تمَّ بين الرَّئيس السُّوري (حافظ الأسد) في مكتبه في دمشق عام 1974م، ووزير الخارجية الأمريكي (هنري كيسنجر).
    .

    وفي (كولومبوس يهرب من نيويورككولومبوس، رحَّالة إيطالي اكتشف أمريكا في عام 1498م. بالرَّغمِ من أنَّ أمريكا سُمِّيت باسم مكتشف آخر (أمريجو فيسبوتشي). وربَّما هذا ما يرمي إليه نزار، حين أعلن عن رغبته نقل هيئة الأمم المتحدة والتي تأسَّست في عام 1945م، من الأراضي الأمريكية تحديدًا من نيويورك إلى جنيف في سويسرا. لسببٍ وجيه، فهو لم يعد يرى أنَّ أمريكا ما زالت تلك الدَّولة المُنقذة، والتي كان لها أثر كبير في إنهاء الحرب العالمية الثَّانية. أمريكا التي كانت تقبع تحت إرثٍ كبير من الحُرِّيةِ والعدالة، وأنقذت العالم من جبروتٍ وقسوةٍ كانت ستجعله يسير في طريقٍ طويلٍ من الظُّلمةِ والألمِ والعبودية. إنَّها أمريكا، التي وقفت ضد كلِّ من رفع معاول الظُّلم على رؤوسِ الشُّعوب. أمريكا التي حافظت على التُّراثِ الإنساني وكانت منارةً للحُرِّياتِ، وموطنًا للجمالِ الأخلاقي. لم تعد كذلك، بدأت تسيرُ إلى الوراءِ بعكسِ اتجاهِ ذاكرتها التي حافظت عليها طويلًا. وبدأت تتخلَّى عن ميراثها الأخلاقي وتنضمُّ إلى قائمة الظَّالمين والمُستبدِّين والمُدافعين عن الديكتاتورية المُجحفة. لم يعد هناك شكّ كيف تُحاول أمريكا مراضاة المُحتّل الإسرائيلي على حسابِ المُقيم الفلسطيني. كيف تنكَّرت لجذورها العميقة، وطفت على السَّطحِ أوراقُ التَّمرُّدِ والمراءاتِ والمصالح والنِّفاق الدَّولي، لتتلاعب بمصير أمَّة. “من المحزن أن يقف العالم كله تقريبًا إلى جانب منح الفلسطينيين حق الاستقلال الوطني والسِّيادة، والسَّماح لمنظمة التَّحرير الفلسطينية بالمشاركة في كلِّ نشطات المنظمة الدَّولية بصفة مراقب، وأن تقف الولايات المتحدة في الجانب المقابل من حفنة من الدُّول لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر“. وأخيرًا يرى أنَّ لا فرق بين الدُّول المُستعمَرة، وبين أمريكا، فهي أيضًا مُستعمرة من قبل الوجود الإسرائيلي، وعليها أن تتخلَّص من عبوديتها، وأن تنال استقلالها وحُرِّيتها.
    .

    وفي (إلى المرحوم والد الولايات المتحدَّة الأمريكية)، ينتقد مُحاولة أمريكا فرض وصايتها على ملايين العرب، وتوجيههم بالطَّريقةِ التي تُناسب مصلحتها. وعطشها الدَّائم للبترول العربي، لدرجة أن تفرض علينا تسعيرةً مُعيَّنة. عليها أن تنسى ما تربَّت عليه وتقبل بالإنسان العربي الجديد، وتؤمن بمدى تأثيره وقوته وقدرته على تحديد مساره خاصَّةً بعد تاريخ 1973م. فالمزاجية الأمريكية لم تعد صالحة للعهد العربي الجديد. “إن الإنسان العربي ليشعر بالزَّهو حين يفتح جريدة (التايمز اللندنية)، ويقرأ فيها هذه الجملة: (إن الأجيال القادمة سوف تتذكَّر سنة 1973م، كتاريخٍ سيطر فيه العرب على العالم الصِّناعي)“.

    .

    رثاء ولده توفيق:
    .

    في (كان ولدي فصار ولدكم)، يعود نزار للشَّاعرية وبث الأحاسيس العذبة من خلالِ رثائهِ لولده (توفيق). يعود بنكهتهِ الشِّعرية العذبة. ويتساءل عن جنسِ الموتِ “هل الموت رجل أم هو امرأة؟“. فيعترفُ أنَّها امرأة، ويبدأُ في حوارها ويشكرها على رهافةِ ذوقها في اختيارِ كائن ملائكي بخصلاتٍ شقراء لتسكنهُ معها في حجراتها القمرية. ويوصِّيها على الاعتناء بهِ ويبارك زواجهما، وإن كان من غير إرادتهِ، ثُمَّ يشكرُ كل العرب الذين فتحوا أبوابهم لاستقبالِ ولده. شكر كلّ من بكى معهُ، وعاش حزنهُ، وشاركه فجيعته. نزار يُمارس براعته المعهودة، فهو موجعٌ عندما يتحدَّث عن الحزنِ والألم. بقدرِ براعتهِ عندما يتحدَّث عن الحُب.

    وفي (عن موت البجع والأطفال)، يُخبرنا عن إحساسِ من سيموت، بإدراكهِ، أنَّهُ سيموت عمَّا قريب. وشعوره بذلك نابعٌ من جاذبية الموت وما تُسبِّبهُ عربته بحصانه الذَّهبي من إغراءٍ، وجمالٍ إلهي. “لماذا يُفضِّل الأطفال أن يلعبوا في حدائق الله، على أن يلعبوا في حدائقنا؟“. وفي النِّهايةِ يُقرُّ أنَّنا جميعًا نعملُ ونعيشُ في مسرحيةٍ كبيرة، لكلٍّ منَّا دورهُ الخاص الذي لا يحيد عنهُ، فكاتب السِّيناريو، لا يقبل بتبديل الأدوار، أو تحريفها، أو التَّدخل في مسارها. “وإذا سألتموني عن اسم هذا المخرج الكبير.. قلت لكم: هو الله“.

    وفي (هل احترقَ بنار الشعر)، يعود للحديث عن توفيق، ويعتذرُ لنا من تكرارِ بثِّ أوجاعهِ وأحزانهِ لفجيعتهِ في فقدانِ ولده، وعدم قدرتهِ على نسيانه. من ينسى مفقودًا كان بمثابةِ الرِّئةُ الثَّالثة! ويعرض لنا فكرة أن يكون (توفيق) مات؛ بسبب وراثته جينات الشِّعر من أباه، تلك الصِّفات التي تحرق الشَّاعر ومن ينتمي له. قلبُ الشَّاعر ذلك القلب المُتخم بالمشاعر والأحداث وجميع أشكال التَّقلبات المزاجية، المشحون بكلِّ الاحتمالاتِ والأسئلة، الذي يسكنُ مرَّةً في القطبِ الجنوبي مُتزاوجًا مع طيور البطريق، ومرَّةً يُقيمُ على حدودِ خطِّ الاستواء كميزانٍ يوزِّعُ جاذبيته على بُعدين. ويسألنا: “هذا هو قلبي الذي أعطيته لتوفيق، فهل تُراني مسؤولًا عن هذا المُحرِّكُ المعطوب الذي أورثتهُ إيَّاه؟“.

    وفي (عيد ميلاد جرح) يتذكَّرُ ويُذكِّرنا بمرورٍ سنةٍ على وفاةِ ولده. وكيف أنَّ كل شيء ارتبط به ما زال يذكره ويسأعل عن أخباره بعد غياب 365يوم. “من قال أنَّ الحديد لا يبكي؟ إذا لم تُصدِّقوا.. فتعالوا واسألوا الجيران.. وسيخبروكم كيف تموء سيَّارة توفيق.. عندما ينتصف الليل.. كما قطَّة مفطومة عن الحليب”.

    وعلى الرَّابط التَّالي، مرثية شعرية: إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني
    .

    مقالات مُتفرِّقة:
    .

    في (عن الحرية) يقول: “هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة“. الاعتقاد العربي الخاطئ والذي يسمح لنا بالتَّعبير عن الحُرية بطريقة شاذة، شخصية، تحتكر كلّ الحقوق، وتبلعُ في طريقها كلّ شيءٍ يخصُّ الآخر. الحُريَّةُ التي نستعملها كعصا الزَّانة؛ لنقفز بها فوق كلّ ما يعترضُ سبيلنا وذاتنا. هل هي دعوة للعودة إلى النِّظام الاشتراكي، ذلك النِّظام الذي قدَّس واحترم حُريَّة المجتمع، وصقل حُريَّة الفرد بما يتناسب مع التَّطور الطبيعي للإنسان السَّليم؟ يجبُ أن نتخلَّص من المعنى المُبتذل للحرية، أي التَّصرف بلا قيدٍ، ولا رابط، ولا ضابطٍ، يمنعنا من وضعِ أرجلنا على رقابِ البشر، وكأنَّهم قطعانًا مُهمَّشة.

    ثُمَّ ينتقل إلى أحدِ الأساليب القذرة التي يتبعها بعضُ التُّجارِ حين يحتكرون –باسم الحُريَّةِ- قوت الشَّعب، فيستغلِّون ما وهبهُ لهم القانون، ليرفعوا الأسعار، ويُخبئون البضائع حتَّى يتعطَّش لها السُّوق، ويطرحونها بعد ذلك بأسعارٍ خُرافية. استغلالُ الأزمات، ذلك العنوان الكبير الذي يضمُّ تحته كلّ إنسانٍ منحهُ الله بعض النُّفوذ. هم كأسماكِ القرشِ، وكقراصنةِ الكاريبي، يأكلون ما يجدوه أمامهم ويُكدِّسون في بطونهم أطنانًا من الجشعِ، والاستبدادِ، والظًّلم.
    .

    وفي (خاتم مصر). مقال بنكهةِ الشِّعر. يحتاج إلى القراءةِ لا الحديث عنه. ولكن أقتبس منه المقطع الأخير: “يا مصر.. بطاقة عرسك بيدي. فهل تسمحين لي أن أمشط شعرك القادم من غابات الحزن؟ وألثم يديك المحترقتين بالنَّار… وأشيل ثوبك المثقوب برصاص البطولة؟ هل تسمحن لي أن أكون شاهد الزفاف؟“.
    .

    وفي (مصر تُريد فولًا وطعمية.. لا رسائل غرامية..!)، يُقدِّمُ لنا رثاءً لحالِ مصر، وحال العرب الذين يصطفون على مائدتها ليأكلوا لهم ما لذَّ وطاب، دون أن يدفعوا جنيهًا واحدًا، ودون أن تفرضَ عليهم ضريبةً ثمنًا لنكرانهم الجميل الذي أدَّتهُ مصر بواسطة أبنائها وكبريائها وحضارتها. مصر تجوع، والعالم العربي في موقف المُتفرِّج يشاهد ما يجري بلا أي إحساسٍ بالذَّنب أو تأنيب الضَّمير، أو الرَّغبةِ في مشاركتها الوجع، ذلك الوجع الذي تسبَّبت بهِ عنجهية وفُحش الآخر. مصرُ لا تُريد منَّا أن نمدحها وأن نُقدِّم لها خطابات التَّهنئة التي تمتلئ بالثَّرثرة. “مصر تستحي أن تقول إن غرفتها محجوزة، وإن البقال السوفياتي يطرق بابها كل صباح مطالبًا بتسديد الفاتورة، فاتورة طائرات الميغ، وصواريخ سام التي ألقيت على أرضِ معركة تشرين“. مصرُ حاربت من أجلنا، ولا أقلَّ أن نردَّ لها بعض الدَّين. فلا يصح أن نظلَّ ننظر إلى مصر كجسدِ راقصةٍ على موائد قمارنا، أو أن نراها من ثقبِ إبرة، وهي الآن تُعاني. أن نظلَّ نستغل أرضها وشعبها ثُمَّ نُنشد لها مئة رسالة حب، فهذا أقسى ما تُلاقيه. “لو كنتُ مكان الرَّئيس السادات لجمعت العرب في غرفةٍ واحدة وقلتُ لهم بالحرف العريض ما يلي: أنتم تملكون مالًا ولا تُقاتلون، ونحن نقاتل ولا نملك مالًا. ومصر لا تستطيع أن تسكن إلى ما شاء الله في غرفةٍ مرهونة. فإمَّا أن تدفعوا أجرة الغرفة أو ستضطرون مصر إلى الإنتقال نهائيًا من الحي العربي، إلى بلادِ الجان، وأحضان كسرى أنو شروان“. ويا ليتها انتقلت.!
    .

    وفي (أوراق مهربة من الغرفة 508)، مجموعة يوميات، أعتقدُ أنَّها أيَّام علاجه في مستشفى ما نتيجة إصابتهِ بذبحةٍ قلبية. أقتبسُ منها تساؤله: “لماذا ينذبح الرجال وحدهم في قلوبهم، والنِّساء لا؟.. أعتقد أنَّ هذا يعود لاختلاف نوع الجهاز العصبي لدى كل منهما، فالمرأة، حسب تصوري، تتلقَّى الصَّدمات بجلدها الخارجي، وردود فعلها هي ردود فعل خارجية. الحزنُ يحفر التَّجاعيد على بشرة المرأة، فتذهب إلى أخصَّائي في فنِّ التَّجميل.. (فيشدشدها)، وتستعيد عشر سنوات من عمرها. بينما الحزنُ يحفر التَّجاعيد على قلبِ الرَّجل، فيخسر عشر سنواتٍ من عمره، ذلك لأنَّ جلدة القلب، غير قابلة للخياطة والتَّفصيل، والتَّرقيع والتَّعديل“.
    .

    وفي (الخروج من ألف ليلة وليلة)، يُهاجمُ كتاب (ألف ليلةٍ وليلة)، بكلِّ ما فيه من تبعيةٍ، وتخلُّف، وسلوك بغيض. يُهاجمُ الصُّورة التي خلَّفها هذا الكتاب في أذهانِ الآخرين حول العرب. صورة شهريار أكبر بلطجي في التَّاريخ –حسب تعبيره-، وصورة شهرزاد الجارية والمحظية والخادمة. “إن أسوأ ما في (ألف ليلة وليلة) هو أنَّها أصبحت صورتنا (الرسمية) الوحيدة التي يتداولها العالم“. يقول: “نحن لسنا ضد الفولكور، ولا ضد الأساطير والرُّموز الجميلة التي يُعبِّر بها الشَّعب عن نفسه، وعن أحلامه وعواطفه، ولكنَّنا قطعًا ضد المستنقعات الفولكلورية التي تجعل من (علي بابا والأربعين حرامي) ومن (لص بغداد) ومن قرصان محترف (كالسندباد البحري) ومن ملك مصاب بالشيزوفرانيا (كشهريار) نماذج أدبية وسياحية نُصدِّرها إلى العالم“. صورة سيئة صدَّرها تاريخنا إلى الآخر، صورة العربي صاحب العباءة والكوفية وحوله عدد ممَّا يُمكننا تسميته (مُلك اليمين). الصُّورة التي نقلتها راقصات العرب في ليالي امتاع السُّلطان. الكُتب السَّيئة التي تُكدِّس في صفحاتها وقائعَ وتراخيص وتعاليم دينية مشكوك في أمرها، دون المبادرة بإصلاحها أو توضيحها. صورة أنَّ الإسلام هو السَّيف لا الإقناع. صور عديدة أخذها الآخر عن العربي، فهو (راكب جمال)، (ساكن الصَّحراء)، (بدوي)، (جامع حريم)، (سفَّاح)، (إرهابي)، (يؤمنُ بالدَّجل والسِّحر والمُنجمِّين وقارئي الكف)، (غائبٌ عن الواقع)، (مسطول)، (مخادع)، (جاهل)، (مضطهدٌ النِّساء)، (يُسافر على بساطٍ سحري)، (ثري)، (يسبحُ على بحرِ بترول)… إلخ، من الصُّور التي كوَّنها الآخر عن الإنسان العربي، والتي من أهم أسبابها، التَّاريخ السَّلبي الذي تتناقله الأجيال وتؤمن به. تلك الصُّورة التي أثَّرت على قدرة العربي على الإندماج في المُجتمعات الأخرى. بالتَّأكيد أنَّ استمرار هذه الصُّورة حتَّى اللحظة، ناتجٌ أيضًا من اضطهاد الحكومات العربية لشعوبها وقمعها لحرِّياتهم، فلا انتماء ولا حب للوطن، ممَّا ينتجُ عنه هجرتهُ أو هروبهُ أو انتقاده أو ثورتهُ على واقعه. التَّربية التي ينشأ عليها الفرد، من ضعفِ ديني وانعدام أخلاقي، فيصبح صورة مشوَّهة لتاريخِ أمَّة. عدم فعالية الإعلام العربي، وتفوق الإعلام الغربي في إظهار الصُّورة السَّيئة عن العرب. أرى أيضًا أنَّ نموذج (بن لادن) ساهم كثيرًا في تثبيت صفاتٍ سيئة بين أذهان النَّاس. أسباب مُتعدِّدة للبحث عن طريقة للخروج من ألف ليلة وليلة، عصر البدائية والعدمية، والإنطلاق نحو عصر جديد نصنعهُ بأنفسنا وعلى أُسسٍ سليمة.

    في (مُحاولة لقراءة كف معمَّر القذافي)، يُقدِّم لنا صورة للقذافي ويطلب منَّا أن نُقيِّمهُ بناءً على هذه الصُّورة. هي صورة إيجابية عن هذا الإنسان. باختصار هو يرى أنَّ معمَّر القذافي يفكر بطريقة أُخرى، وفي رأيه: “أنَّ العرب في حاجةٍ إلى من يُفكِّر بطريقةٍ أخرى“. الحقيقةُ أنَّني كنتُ معجبًا بطريقةِ تفكير هذا الرَّجل، ولا يعني إيماني التَّام بما جاء به، ولكن، وكما قال نزار أنَّهُ يُفكِّر بطريقةٍ مُختلفة. وعادةً المختلفون مُبدعون، وإن كان إبداعهم يقتلهم!
    .

    في (مزاد علني لبيع كاديلاك.. وشراء عقل)، يتحدَّث عن الرَّأسمالية العربية، والثَّراء الفاحش الذي حوَّل العرب إلى إمبراطورية اقتصادية كبيرة. ومدى قوَّة هذا المال في تغيير النَّظرة الدُّونية للعربي، ونقلهم إلى فئات الطَّبقة العليا. ثُمَّ يُشير إلى مؤتمر القمة العربي السَّابع في الرِّباط عام 1974م. ويطلبُ من العرب وينبّههم أنَّ مخزون النِّفط الذي نتكئُ عليه ونعتبرهُ الورقة الرَّابحة في حجزِ مكاننا بين دول العالم، ما يلبثُ أن ينضب، وعلينا أن نستبدل آبار النِّفط، بمخزون عقلي يكفل لنا استمرارنا وبقاءنا على خارطة الدُّول المؤثِّرة في العالم، اقتصاديًا وعلميًا. “على أنَّ للمال العربي عمرًا يطول أو يقصر كأعمار النَّاس.. والمخزون النِّفطي لا يُمكن أن يبقى متدفقًا إلى أبد الآبدين.. فهو نار تأكل بعضها شيئًا فشيئًا.. لذلك لا بد من وضع مخطط سريع لتحويل المخزون النِّفطي.. في باطن الأرض.. إلى مخزون عقلي في رأس الإنسان“.

    .

    من المهم أنَّنا قرأنا الوجه الآخر لنزار، وجه النَّاقد، بعيدًا عن الشِّعر وغوايته. وبالرَّغمِ من أنَّ نزار لا يُلقي للنَّقد بالًا، إلَّا أنَّهُ استطاع وببراعةٍ أن يُعطي لنقده كينونةً ووجودًا مميّزتين. نزار الذي أصاب أجيالاً مُتعاقبةً بالدَّهشة، وخلق مناخات مُتعدَّدة من الجمالِ والرُّقي والابتكار، ما زلنا نستقي منها حتَّى اليوم ولم نرتوي. فهل كان نزار قبَّاني شاعر أو كاتب انقلابي؟ سؤال قد يبدو بديهيًّا. لكنَّهُ سؤالًا مشروعًا، بالنِّسبةِ لشاعرٍ اختلف النَّقد حوله.
    .

    قال عنه أدونيس:

    كان منذ بداياته الأكثر براعة بين معاصريه من الشُّعراء العرب، في الإمساكِ باللحظة التي تمسك بهموم النَّاس وشواغلهم الضاغطة، من أكثرها بساطة، وبخاصة تلك المكبوتة والمهمشة، إلى أكثرها إيغالًا في الحلم وفي الحق بحياةٍ أفضل. وفي هذا تأسَّست نواة الإعجاب به، ذلك الإعجاب التلقائي الذي تجمع عليه الأطراف كلها.

    ابتكر نزار قباني تقنية لغوية وكتابية خاصَّة، تحتضن مفردات الحياة اليومية بتنوعها، ونضارتها، وتشيع فيها النسيم الشعري، صانعًا منها قاموسًا يتصالح فيه الفصيح والدَّارج، القديم والحديث، الشَّفوي والكتابي“.

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مُهندس مِعماري، وشاعر مثّل اليَمن ضمن المائتي شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

  • خواطر

    حتى مفهوم التغيير يصبح مختلف من شخص لآخر، فما أراه انا تطورا قد يراه غيري تخلفا ورحوعا للخلف، وآخرون سوف يرونه بلا قيمة ومجرد تفاهات ليس لها اي معنى.
    في النهاية لا يمكن الحديث عن الإبداع إلا بأنه إبداع، كان جديدا أو قديما، يتبع القواعد أو لا يتبها، فهو في النهاية إبداع.

  • @ m a r w a،

    سعيد أن تروقكِ القراءة.
    وسيروقك الكتاب، فهو من إبداعات نزار النَّثرية.
    وبالتَّأكيد، سنتعلَّم الكثير من قراءتنا لهذا الكتاب المُهم.

  • @ Just Friends،

    أعتقد أنَّ السِّياسة بالذَّات، لا يتَّفق عليها أحد. فلكلٍّ منَّا رؤاه، وتقييمه للأحداث.
    وقد نتَّفق مع نزار ببعضِ ما جاء بهِ أو نأخذه كلُّه، وقد لا نتَّفق.
    المهم، أنَّ نزار أمتعنا كعادتهِ.

    شُكرًا أن تكون لهذه القراءة المُتواضعة، مكانًا في مفضلتك.
    لكَ عميق امتناني،

  • يستهوين شعر نزار القباني
    انه رجل مثقف بمعنى الكلمه
    رحمه الله وادخله فسيح جنانه
    موضووع وافي واقي
    ادامك الله نبضاً لا ينقطع

  • شهي لقرائته وَ أجده مُبهر بالفعل
    كثيرة تلك الأطروحات الفريدة فيه .

    شكراً بلا عدد أستاذ محمود

  • M A R W A

    قرائتك محرضة لـ اقتناء الكتاب
    مستمتعة بالفعل بالقراءة

    يعطيك العافية يارب

  • Just Friends

    كتاب جميل ورائع أسلوب نزار الادبي لا مثيل له
    فهو منح كل مقالة لون آخر ومظهر آخر
    رغم اختلافي مع الاراء السياسية لكن ربما لاني لم اعايش الحقبة وارى المشهد من بعد النهاية
    لكن العمل أستمتعت بقرائته
    موضوعك رائع , مميز , وجميل
    موضوعك له مكان عندي في المفضلة
    شكراً ملايين

  • @ مي،

    أخبرتكِ أنَّ نزار، كما أنَّهُ يُسعدنا بالحبِّ، يُحزننا بالرَّثاء.
    انتظري القراءة للكتاب التَّالي، ستكون مشوّقة.

  • مى

    :emotion: :emotion: :emotion: :emotion: :emotion: هذا ليس مشيق للغاية :emotion: :emotion: :emotion: :emotion: :emotion: :emotion: :party: :emotion: :emotion: :emotion:

شارك في نشرة الموقع البريديّة

تصنيفات