بين راحتين من ورق

ولدت هناك ولدت هنا مريد البرغوثي

ولدت هناك ولدت هنا مريد البرغوثي
ولدت هناك ولدت هنا مريد البرغوثي

ولدت هناك ولدت هنا مريد البرغوثي

طوال حياته ظلّ الشّاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يصفُ لابنهِ تميم مسقطَ رأسهِ في دير غسّانة في رام الله بعبارةِ: «ولدت هناك». لم يكنْ يُصدّق أنّهُ سيعيشُ اللّحظةَ الّتي سيستطيعُ أنْ يقولَ لهُ فيها: «ولدت هنا». فقد نجحَ في الحصولِ على تصريحِ دخولٍ لابنهِ في أثناء سنتهِ الأخيرة من بكالوريوس العلوم السّياسيّة الّذي كان يدرسهُ في القاهرة مع والدتهِ الأديبة المصرية الرائعة رضوى عاشور، فأخذهُ إلى فلسطين لتقديمِ طلبٍ للحصولِ على الهُويّةِ الفلسطينيّة في رحلةٍ لم يستطعْ أي منهما نسيانها.

كتاب مُميّز: الشّيطان والآنسة بريم

حين كانَ تميم يقفُ في صفِّ التّفتيش كانت جميع الاحتمالات تدورُ في ذهنِ والدهِ، هل أتى بابنهِ لحتفهِ؟! هل سيتعرّضُ للاعتقالِ أو التّحقيق؟ وهل باستطاعتهِ أنْ يفعلَ لهُ أيّ شيءٍ في حالِ حدثَ ذلك؟ كان ذلك أحد المواقف الّتي شعرَ فيها بعجزٍ مُؤلمٍ عن حمايةِ أسرتهِ والبقاء قرب أحبابهِ، كانتِ المرّةُ الأُولى حين أبعدته الحكومة المصريّة عن مصرَ لاعتراضهِ على زيارةِ الرّئيس أنور السادات لإسرائيل، ولم يكُن عمر ابنهِ تميم حينئذٍ أكثر من خمسة أشهر، ظلّ مُبعَدًا عنهما سبعة عشر عامًا، لم يستطعْ في أثنائها الوقوف مع زوجتهِ في كثيرٍ من المواقفِ الصّحيّة الّتي مرّت بها، ولمْ يُشاركها صعوبات ومُتعة تربية ابنهما الوحيد.

في كثيرٍ من مواضع الكتاب يذكرُ زوجتهُ ومواقفها الّتي لا تُنسى معهُ، فقد أصرّت على أنْ تكتبَ جنسيّة ابنهما عند ولادته (فلسطيني) مع علمها ما يعنيهِ ذلك من متاعب، في وقتٍ كانَ والدهُ نفسهُ لا يحملُ سوى الجنسيّة الأردنيّة؛ ولكنّها أرادتْ أن تُناصر القضيّة على طريقتها، وأنْ تُظهر حبّها لزوجها واعتزازها بهِ بطريقتها أيضًا، هي الّتي تمسّكتْ بهِ حينَ تردّد أهلها في القَبولِ بهِ زوجًا لابنتهم؛ لذلك حين كانَ مريد البرغوثي يُقدّم ابنهُ تميم في أمسيّتهِ الشّعريّةِ في رام الله أرسل إلى زوجتهِ رضوى عاشور الشّكر والتّقدير قبالة الجميع، فهي الّتي غرسَت في تميم حبّ فلسطين إلى أنْ وصلَ إليها.

ينتمي مريد البرغوثي إلى الجيل الّذي عاشَ في فلسطين قبل الاحتلال، وعاصرَ نكبة 48 الّتي لا يتذكّر كثيرًا من تفاصيلها وهو ابن أربع سنوات، وجاءت نكسة 67 بعدَ أنْ تفرّقت بهِ وبإخوتهِ دروبُ الحياةِ للعملِ والدّراسةِ في بلدان العالم المختلفة، ولمْ يعُدْ بوسعهم الاجتماع سوى في الأردن لأنّهم جميعًا لا يملكونَ وثائق فلسطينيّة ما عدى مريد وابنه.

حينَ عادَ إلى رام الله لمدّة عامٍ ليتولّى الإشراف على مشروعٍ ثقافيٍّ يحتاجونَ لهُ شخصًا يُمكن ائتمانه على المال العام، سُعِدَتْ والدتهُ بذلك، ورمّمتْ بيتَ الأسرةِ ووسّعتهُ ليكون في انتظار جميع العائدين من أبنائها، ثمّ عادتْ إلى عمّان حيث تُقيم منذ سنواتٍ، لمْ تسرِ الأمورُ كما رجَتْ، فقد تولّى أرئيل شارون السّلطة في تلك الفترة وحدثت الانتفاضة، وأنشأ الجيش الإسرائيلي حاجزًا يقطعُ الطّريق بين رام الله وعددٍ من القُرى من بينها دير غسّانة، وحين انفرجت الأمور بعد سنواتٍ كانت أمّه قد فقدتِ القدرةَ على المشي، فلم تعُدْ إلى فلسطين، ولم يجتمع أولادها حولها في دير غسّانة، تمامًا مثل كثيرٍ من الأسر الفلسطينيّة الّتي أصبحَ حلمُ العودةِ والاجتماع لديها بعيد المنال.

في أثناء فترة عملهِ القصيرة استقالَ عددًا من المرّات احتجاجًا على ما وجدهُ من فساد، وفي كلّ مرّةٍ كانت الوساطات تدخلُ بينه وبين موظّفي المؤسّسة فيعود؛ إلّا أنّ السّرقة والتّلاعب يبقيان على حالهما، ويُلاحظ تغييراتٍ كبيرةٍ تحدثُ كلّ حينٍ في أثاثِ مكتبهِ وأجهزتهِ الإلكترونيّة في مُحاولةِ استمالتهِ لتسهيلِ الأمور بشأنِ المال العام؛ ما جعلهُ يُفضّلُ الخروج من هذا المكان نقيًّا كما دخلهُ، ومقتنعًا بأنّ عزلتهُ الّتي دخَلها منذُ سنواتٍ مُتفرّغًا للقراءةِ والكتابةِ هي الأشرف له.

لعلّ عملهُ كانَ فرصةً لهُ ليتعرّف إلى نوعيّةٍ خاصّةٍ من البشرِ رَمزَ لها بشخصيّة «نامق»، حيث يتحوّل الإنسان إلى فاسدٍ بكاملِ إرادتهِ، ويتبعُ جميعَ السّبلِ الملتويةِ للوصولِ إلى طموحاتهِ، ويحترفُ إظهار اللّطف بل والتذلّل أحيانًا؛ في حين يكيد في الخفاء أبشع المكائد لمن يختلف معهُ، ويرى أنّ السّلطةَ الفلسطينيّة على هذه الشّاكلة؛ لذلك لا أملَ في أن تُوصل شعبها إلى أيّ خيرٍ، والأمثلة عديدة على أخطائها الّتي دفعَ ثمنها الفلسطينيّون لسنواتٍ طويلةٍ، الّتي يرى أنّها ليستْ سوى استجابةٍ لضغطٍ عالميٍّ وتذلّلًا للمُعتدي في انتظارِ أنْ تبتسمَ دبّاباته يومًا!

كانَ يشعر في أثناء زياراته إلى فلسطين بأنّه سائحٌ يابانيّ! فليس هناك ما يُشعره بأنّ لهُ حقوق المُواطن الخاصّة، أو أنّ بإمكانه العبور دونَ تفتيشٍ أو إذن، ففي ساعاتِ الانتظار الطّويلةِ على المعابرِ ونقاط التّفتيش كانَ يصلُ إلى مرحلةِ المللِ والهذيانِ تحتَ حرارةِ الشَمسِ الحارقة؛ الأمرُ الّذي يُعانيه الفلسطينيّون كلّ يومٍ للوصولِ إلى أعمالهم ومدارسهم، ولا يخلوا الأمر من مضايقاتٍ وأسلحةٍ مرفوعةٍ إزاء الوجوهِ، وطلباتٍ تعسّفيّةٍ يتسلّى بها بعض الجنودِ الضّجرون أحيانًا، مثل ما حدثَ مع ابن عمه الّذي كانَ وقتئذٍ يشغلُ منصبَ وكيلِ وَزارةِ التّخطيطِ في السّلطةِ الفلسطينيّةِ حينَ كانَ يقودُ سيّارتهم إلى دير غسانة فأوقفهُ جنودٌ إسرائيليّونَ وطالبوه بما لديهِ من أوراقٍ ثبوتيّةٍ، ثمّ أصرّوا على احتجازهِ إلى حين إحضار رخصة القيادة، وبعدَ أن أطلقوا سراحَ البقيّةِ الّذين أسرعوا إلى منزلهِ لإحضار رخصتهِ وجدوهُ في منتصفِ الطّريق عائدًا سيرًا على الأقدامِ بعدَ أن تركهُ الجنودُ لحالِ سبيلهِ، فلم يكُن الأمرُ أكثرَ من رغبةٍ في التّسلية!

لاحظَ أنّ الفلسطينيّين الصّامدين في فلسطين قد اكتسبوا قوّةً وثباتًا في مواجهةِ المآسي الّتي تمرّ بهم، أصبحتْ مأساتهم موضوعًا للتّندر بينهم أحيانًا، ولم يعُد يُخيفهم أو يُغيّر قراراتهم سماعُ أنباء قصفٍ أو اجتياحٍ وشيك، ووجدَ أنّهم يُشاركونه الرّأي في أنّ الاحتلال الإسرائيليّ اليوم في مأزقٍ كبيرٍ، فلم يستطعْ بعدَ كلّ هذه السّنوات تحقيق مراده، بل ظلّ خائفًا يتدرّع بالزّي العسكريّ والأسلحةِ والحواجزِ وإجراءاتِ التّفتيش المشدّدة لأنّه يعلمُ أنّ صاحبَ الحقِّ سيستجمعُ قواه يومًا ويستعيد حقّه.

أبهرهُ كيف أوجدَ أبناءُ بلدهِ لنفسهم مهنًا تُوفّر حلولًا للأوضاع القائمة، ورزقًا لأصحابها، فمن الشّباب من يقفُ برافعةٍ كبيرةٍ على أحد جانبيّ الخنادق الّتي يصنعُها الإسرائيليّون لقطعِ الطّرق فيحملونَ السّيارة بمن فيها من الرّكابِ والأمتعةِ وينقلونها إلى الجانبِ الآخر، وآخرون يبيعونَ لعب الأطفال والمستلزمات والخَضْرَوَات وكلّ ما يُمكن أنْ يخطرَ بالبالِ للمُنتظرينَ على المعابرِ والحواجزِ. آلمهُ الكسادُ الّذي شعرَ بهِ في محلّات المقدسيّين الّتي كانَ السُّيَّاحُ يقصدونها لشراء أجمل المنحوتاتِ والقلائدِ والتّحفِ؛ إلّا أنّ الحكومةَ الإسرائيليّة قد حدّدت مساراتِ السُّيَّاحِ بوجهٍ يجعلهم يمرّونَ على البَازاراتِ اليهوديّة فحسب.

حدثَ أنْ زارَ وفدُ برلمان الكتّابِ العالميّ -الّذين كانَ من بينهم الرّوائي الحائز على جائزة نوبل جوزيه ساراماغو– فلسطين، فكان في استقبالهم الشّاعر محمود درويش ومريد البرغوثي، صُدِمَ ساراماغو بواقع الفلسطينيّين وعبر عن ذلك بآراء صريحة شَبّهت ما يفعلهُ الإسرائيليّون بالفلسطينيّين اليومَ بالنّازية وما فعلتهُ في حقّ اليهود في الماضي، فقُوبلت آراؤه باستنكارٍ من مُؤيّدي الاحتلال؛ إلّا أنّهُ لم يتراجعْ عن آرائهِ مع ذلك، وكانَ للكتّابِ الآخرين آراء تُوافقهُ الرّأي إلّا أنّها أقلّ حدّة، وكانَ من بين الأصواتِ المدافعةِ عن ساراماغو وما قاله، أديبةٌ إسرائيليّةُ هي يهوديت هاريل حيث أكّدت لنا أنّ لا وجود لما يُسمّيه الإعلام «عنف متبادل بينَ الطّرفين»، وإنّما يوجد طرفٌ مُحتل، وطرفٌ ثانٍ هو ضحيّة الاحتلال، وهي النّقطة نفسها الّتي حَرِصَ مريد على إيضاحها للعالم، إنّ المشكلة ليس لها علاقة بمُسلمٍ ويهوديّ، وإنّما هي مشكلةُ محاربٌ يُشهرُ سلاحهُ في وجهِ مدنيٍّ، ويحتلُّ أرضَه.

ربّما لا يعرف هؤلاء الكتّاب أنّه حتّى يتمكّن مريد من الدّخول إلى البلادِ ليكونَ في استقبالهم انسلّ في سيّارة إسعافٍ، وظلّ طوال الطّريق داخلها ينظرُ إلى عينيّ سيّدةٍ عجوزٍ بلغَت من المرضِ حدًّا لا تُبدي فيهِ أيّ استجابةٍ ولا تُغلقُ عينيها اللّتين ظلّتا مثبّتتين إلى مريد ولاحقتاهُ بقيّة يومهِ حين ذهبَ إلى شقّتهِ وحده، فأخذ يُطَمئِنُ نفسه بعبارةٍ سمعها من الممرّضِ الّذي كانَ يُرافقها: «إنّ هناك فرصةً لعلاجها وأنّها ستكون بخير».

تعلّم في أثناء رحلته الامتنان للتّفاصيلِ الصّغيرةِ، مثل: تناول كوب من القهوةِ يأتي في وقتهِ تمامًا، وتقدير أصحاب المهن على اختلافها، فالسّائق الّذي استطاع النّجاة بهِ وبستّةِ راكبين آخرين معهُ وإيصالهم سالمين في أوضاعٍ صعبةٍ هو بطلٌ لا يَظهرُ على شاشاتِ التّلفاز، وتعلّم تبادل الطّرائف في كلّ وقتٍ، الأمرُ الّذي كانَ لسنواتٍ طويلةٍ لا يفعله، فلطالما سافرَ صامتًا يغوصُ داخل نفسه، وأصبح أكثر تعلّقًا بالأشجار الّتي يراها رمزَت لفلسطينَ، فكلّ شجرة زيتون هي مصدرُ رزقٍ، وإرثٌ تاريخيّ، وبطاقةُ هُويّةٍ لأصحابها.

مريد، وتميم، ورضوى
مريد، وتميم، ورضوى

ولدت هناك ولدت هنا مريد البرغوثي By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة وكتاب نقدي. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.