بين راحتين من ورق

الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari

الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari
الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari

الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari

بُنيت رواية الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari على قصّةٍ حقيقيّةٍ، تبدأ بمشهد إعدام ماتا هاري الّتي ظلّت حتّى الدّقائق الأخيرة ثابتة، لدرجة أنّها رفضتْ إغلاق عينيها لحظة رميها بالرّصاص. ماتا هاري الّتي لم تكن تظن أبدًا أنّها ستموت بسبب أحلامها!

تركتْ ماتا هاري مع مُحاميها رسالتين، طلبتْ إيصالهما إلى ابنتهَا لتقرأها عندما تُصبحُ في عمرٍ يُمكّنها من إدراك الأمور. رسالتانِ تشرحانِ لنا ما جرَى، وكيف تحوّلت فتاةٌ عاديّةٌ إلى محكومٍ عليها بالإعدام لكونها عميلة مُزدوجة بين ألمانيا وفرنسا؟

حين كانتْ طالبة؛ بدأ مُسلسل تعاستها حين اغتصَبها مُدير المدرسة، الأمر نفسه الّذي عُرِّضت له زميلات أخريات لها، فتبادلنَ الحديث يومًا وأدركنَ أنّهنّ جميعهنّ يكتمنَ السّرّ نفسه، وإنْ كان الأمرُ قد بقي سرًا لديهنّ جميعًا؛ إلّا أنّه لم يظل سرًّا لدى ماتا؛ لأنّها حينَ تزوّجت أحد الضّباط المهمّين، إضافةً إلى جمالها الّذي كان مصدرَ سحر الّرجالِ وحسد النّساء، تحدّثتِ الفتياتُ عن أنّها ليست عذراء.

لم يستطعْ زوجها الّذي تعرّفت إليهِ بوساطةِ إعلان زواج نُشِرَ باسمه في الجريدة، أن يتجاوزَ هذه الحقيقة، فتحوّلت حياتها معهُ إلى جحيمٍ مُتكرّر، فكانَ يُعيدُ معَها ما حدثَ لها عقابًا لها، إضافةً إلى أنّهُ كان يشكّ في أنّها ستتركهُ يومًا مع أحد الضبّاط الآخرين. أنجبتْ منهُ ابنًا قتلتهُ إحدى الخادماتِ انتقامًا لاغتصابها وسوء مُعاملة زوج ماتا، وأنجبتْ ابنةً، انتزعَ والدها حقّ حضانتها حينَ بَطُلَ زواجهما بعد عودتهما إلى البلادِ مرّة أخرى.

كان سببُ عودتهما من إندونيسيا الّتي سافرتْ إليها بعد الزّواج شهودهما لحادثةِ انتحارٍ لزوجةِ أحد الضّباط الآخرين، كانت تُعاني ممّا تُعاني منهُ ماتا، وقرّرتْ أنْ تُنهي حياتها بقتلِ نفسها. حادثةٌ جعلت ماتا هاري تثورُ على البؤسِ والظّلمِ الّذي تعيشهُ مع زوجها وتُقرّر العودة إلى البلادِ. عادتْ لتجد نفسها من جديدٍ وسط المُجتمع الصّغير لمدينتها الّتي تتغذّى على الشّائعاتِ. مدينةٌ لم تنسَ ماضيها، خصوصًا بعدَ وفاةِ والدتها وزواج والدها من أُخرى كانتْ تتعمّدُ الإشارة لماتا باعتبارها فتاة سيّئة بسببِ ما حدثَ لها في المدرسةِ يومًا.

بالعقليّةِ نفسها الّتي جعلتها تهربُ من ضغطِ المُجتمع بالزّواج، فكّرتْ في أن تهربَ من جديدٍ من طريق السّفرِ إلى فرنسا، بلد الحريّة والتقدّم، ذهبتْ إلى السّفارةِ الفرنسيّةِ في بلدها هولندا، وطلبت الحصول على فرصةِ السّفر، استطاعتْ بجمالها وشخصيّتها السّاحرة إقناعَ المسؤول بتيسيرِ سفرِها وترتيبِ أمورِها هناك.

اكتشفتْ في باريس أنّ بإمكانها استغلال جمالها وموهبتها في الرّقص؛ لتتحوّل إلى راقصةٍ تحترفٌ الرّقص الشّرق آسيوي الّذي تعلّمته في أثناء سنواتِ حياتها في إندونيسيا، زادت شُهرتها، وأنشأتْ علاقاتٍ عديدةٍ مع أصحاب النّفوذ، وأصبحتْ بعد زواجها كافرةً بالحبِّ والعاطفةِ، ترتكزُ علاقاتها على أن تقدّم للرّجال ما يرغبونَ مُقابلَ المال والهدايا والنّفوذ.

مثل كلّ المجالاتِ المُعتمدة على الجَمال، بدأتْ شهرتها وفرص عملها في الرّقص تقلّ مع تقدّمها في العمرِ، وأصبحَ المجالُ مهتمًّا بفتياتٍ جددٍ أصغر سنًّا. في هذه الفترة قُدِّمَ لها عرضٌ من ألمانيا بتفاصيل لم تكنْ تحلمُ بها، يتضمّن سلسلةً من العروضِ في المسارحِ؛ ومع أنّ عرّابها كان مُتخوّفًا من عرضٍ كهذا بعد تقدّمها في العمرِ؛ إلّا أنّها قبلتْ به لعلّهُ يكون فرصةً لعودة مجدها، ولتوفيرِ دخل يجعلُها تستمرُّ في حياتِها الرّاقية الّتي اعتادتْ عليها.

تراجعَ الرّجلُ الّذي كانَ يحملُ لها العرضَ قبلَ الوصولِ إلى ألمانيا، أخبرها في أثناء الرّحلة أنّ العرض إنّما كانَ من جهةٍ أمنيةٍ ترغبُ في تعيينها جاسوسة في فرنسا، اعتذرَ لها، وأخبرَها أنّ فرارها من هذا الأمرَ خيرٌ لها، وهو ما كانَ، حيثُ عادتْ إلى لاهاي في بلدها هولندا، لتعيش حياة إنسانٍ عادي، الأمرُ الّذي لم تحتملهُ بعد أنِ اعتادتْ على الشّهرةِ، والرّفاهيةِ، والحياةِ الباريسيّةِ الأنيقةِ بكلِّ تفاصيلها، جعلها عدم احتمالها للوضع أنْ تُفكّر في العودةِ إلى ألمانيا وقبول العرض فحسب؛ ليوفّر لها فرصة العودةِ إلى باريس، وليوفر لها دخلًا يُتيحُ لها عيشًا مُترفًا.

تعاملتْ مع الحياةِ بيُسرٍ ودفعت ثمنها غاليًا، اتّفقت مع الألمانِ على أنْ يُدخلوها إلى فرنسا، ويُعطوها مبلغًا من المالِ يُدبّر أمورها، وحصلتْ على الرّمز (H21)، وتسلّمت قوارير الحبرِ السّري لتكتبَ بهِ رسائلها إليهم، وما إنْ خرَجت من ألمانيا، تواصلت مع أحد المسؤولين في السّلطاتِ الفرنسيّةِ، أخبرتهُ بكلِّ ما دارَ بينها وبينَ الألمان وبرمزها كعميلةٍ، واعترفتْ لهُ بأنّها إنّما فعلتْ ذلك لرغبتها في الدّخول إلى فرنسا، وأنّها لن تُرسلَ إليهم أيّ معلوماتٍ، وكانَ حظّها العاثرُ أنِ اختارتِ الشّخصَ الخطأ!

المسؤولُ الّذي تواصلتْ معهُ كانَ يمرّ بأزماتٍ عديدةٍ، منها: أزمةُ ثقة؛ لأنّهُ عُرِّض لاتّهاماتٍ بالجاسوسيّةٍ وبُرِّئ منها، وخانتهُ زوجته، وكان في حاجةٍ لأن يفعلَ أمرٍ يُحدثُ ضجّةً إعلاميّةً قويّةً، ويُعيدُ إليه ثقة القيادةِ والشّعبِ، وكانت ماتا هاري هي كبشُ الفداء.

عادتْ ماتا إلى حياتها في فرنسا، إلى مجتمعِها الباريسيِّ وصداقاتِها وحياتِها اليوميّة؛ معَ أنّها لاحظت وجودِ أشخاصٍ يُراقبونها على الدّوام، تُلاحظهم ولا تهتمّ، فهي لا تفعلُ أيّ شيءٍ سيءٍّ، إلى أنْ أُلقيَ القبضُ عليها بتهمةِ العمالةِ المزدوجةِ بين ألمانيا وفرنسا.

الحبُّ الوحيدُ في حياتِها كان لجنديٍّ روسيٍّ تعرّفتْ إليهِ مُصابًا بحروقٍ وفاقدًا للبصرِ إثر تعرّضه لغازاتِ حربٍ سامّة، أحبّتهُ واعتنتْ بهِ، وخاطرتْ لأجله مُخاطرةً كانت سبب إلقاء القبضِ عليها، حيثُ سافرتْ لأجلهِ إلى رُوسيا للاطمئنانِ عليه، فلفتتْ تنقّلاتها الكثيرة النّظر إليها وأدّتْ إلى الاشتباهِ فيها. قالَ حبّها الوحيد حين استُدعيَ من أجل لشّهادةِ أنّهُ لم يُحبّها يومًا، بل كان يحتاجُ إلى من يرعاهُ فحسب. صفعةٌ قويّةٌ من خيبة الحبّ على وجه ماتا، تُثبتُ لها أنّها لم تعشْ في حياتِها حبًّا حقيقيًّا قط.

كان المسؤولُ الفرنسيّ (لادو) هو قائدُ الحملةِ على ماتا، مُقدّمًا عددًا من التّحليلاتِ والاستنتاجاتِ، ومُحاولًا ربط أمور لا ترتبط ببعضها ليجعلها في نظرِ القضاةِ جاسوسةً خطيرةً؛ مع أنّه لا يوجد دليلٌ يُدينها سوى حديثها إلى (لادو) الّذي صرّحتْ لهُ فيهِ بأنّها قد قبلتْ اتّفاق الألمان وحصلت على الرّمز (H21).

مرّت جلساتُ التّحقيق دونَ أن تستعينَ ماتا بمحامٍ، فقد كانتْ واثقة أنّها ستعودُ إلى شقّتها دونَ تأخيرٍ لأنّها لم تفعلْ أيّ شيء، لم تعلمْ أنّهُ كانَ عليها أنْ تكفَّ عن سذاجتها، وأنّ حضورَ محامٍ كانَ سيُنظّمُ كثيرًا من أقوالها الّتي صرّحتْ فيها بأشياء عادتْ عليها بالسّلب، مثل: سفراتها المُتعدّدة بينَ البلدين، وعلاقاتِها مع كبارِ المسؤولينَ الّذينَ أدلتْ بأسمائهم من بابِ التّباهي، فمَا كانَ منهم إلّا أنْ سعوا لأن تزداد قضيتها سوءًا ليتخلّصوا منها، ومنهم من نفى علاقته بها لتبرئةِ اسمه من العلاقةِ بعميلةٍ دوليّة.

عندما استعانتْ ماتا بمحامٍ: كانتِ المعلوماتُ الّتي قدّمها (لادو)، وإجاباتُها السّاذجة في التّحقيقات، ورغبةُ البلادِ في أنْ ترفعَ من معنويّاتِ شعبها بأنّها مُسيطرة على زمامِ الأمور حين تكشفُ أيّ مؤامراتٍ سريّةٍ، ورغبةُ (لادو) في تلميعِ اسمه وتأكيد نزاهته، قد تظافرت كلّها لتحويلِ ماتا هاري البريئة إلى مُذنبةٍ أُعدِمتْ دون جرمٍ؛ الأمرُ الّذي اعترفَ به عددٌ من أطرافِ القضيّةِ بعدَ سنواتٍ، لتكونَ حياتها قد ذهبتْ ثمنًا لرغبتها في أن تعيشَ الحياةَ عيشًا يسيرًا لم تتّسع لهُ الحياة نفسها.

وجهة نظر:

تُعدّ قصّة الجاسوسة The Spy إحدى قصص النّساء اللّواتي أساء المُجتمع لهنّ طوال التّاريخ.

يبدأ الكتاب -كعادة باولو- باقتباسٍ من الكتاب المُقدّس.

«فبينما أنتَ ذاهبٌ مع خصمكَ إلى الحاكمِ، ابذُلْ ما في وُسعكَ لتُسوّي خلافكَ معهُ على الطّريقِ؛ وإلَّا فإنّهُ قد يجُرُّكَ إلى القاضي، ويُسلّمُكَ القاضي إلى الضّابطِ، ويَزُجُّ بكَ الضّابطُ في السِّجنِ. أقولُ لكَ إنَّكَ لن تخرجَ من هناكَ إلى أن تسُدّ آخرَ فِلسٍ عليك».

باختصار: تدورُ الجاسوسة حول الهولنديّة مارغريتا المعروفة شعبيًّا باسم ماتا هاري الّتي وُلدت في هولندا 1876م، وسافرتْ إلى باريس عام 1903م من دون مالٍ، وبكثيرٍ من الشّجاعة سُرعان ما أصبحت أهم راقصةٍ في عصرها، وكيفَ أنّها واجهتْ حياة الشّهرةِ بشجاعةٍ، وفي الوقتِ نفسه مع شعورها بالوحدةِ والحزن؛ إلّا أنّها في نهايةِ المطاف اتُّهمِت بالجاسوسيّة، وأُعدِمت سنة 1917م في عمر 41.

تُوفّي ابنها مسمومًا كما يقول باولو كويلو Paulo Coelho، ويكشف كيف عُرِّضت للمُعاملة السّيئةِ والعنيفةِ من زوجها الّذي يكبرها بعشرين عامًا؛ ما دعاها إلى التّخلّي عن ابنتها والبحث عن أسهلِ وسيلةٍ يُمكن لأيّ امرأةٍ أن تَعيشَ بوساطتها، وهي: بيع جسدها، هذا البيع الّذي يُناقض مبدأ الحريّة الّذي أرادَ إيصاله. الحُرّة لا تبيع جسدها لأحد؛ ما يدلُّ على أنّها سيّئة في أصلها. فرّطت في جسمها ليس لفقرها وإنّما لعشقها للمال والذّهب والنّفوذ وكلّ ما يُرضي طمع العاهرات.

هذا ما صوّرهُ كويلو وربّما لم يكن هذا ما يُريده، هي: فاجرة، وخالية من الحبّ والعاطفة، وطمّاعة، ومُتحرّرة لا حُرّة، استغلّت الرّجال لأجل الثّروة والسّلطة، وصعود مُرتفعات الشّهرة سريعًا. لم تفكّر في البحث عن مهنٍ أُخرى شريفةٍ واختارت أسهل طريق يُمكن لأيّ امرأةٍ اتّباعه وهو تعرية جسدها الّذي يكفل لأيّ امرأة مكانةً مرموقةً وعيشًا كريمًا.

لا يُمكن الاعتداد بكل ما جاء في هذه الرّواية، فهي في النّهاية قصّة مؤلّف وليست عملًا وثائقيًّا؛ لذلك لم يستطع أن يُخبرنا الحقيقة الكاملة، فكلّ ما حدث لمارتا هاري يحدث بسهولة شديدة. تذهبُ إلى باريس وتلتقي الأشخاص المُناسبين وتُصبح راقصة مشهورة وغنيّة!

من رسائلها يُمكن معرفة أفكارها الخاصّة حول حياتها المهنيّة وابنتها. إنّما مُجمل أفكارها حول الفجور والجنس والرّقص والشّهرة والغنى. أمّا ثقافتها فتبدو أنّها ضحلة التّفكير وغبيّة.

حاول باولو كويلو Paulo Coelho أن يُظهرَ ماتا هاري امرأة صاحبة إرادة قويّة ومُكافحة في حياةٍ لا تمنحُ الخيرَ بسهولة. امرأةٌ قويّةٌ وشُجاعةٌ لا تُريد شيئًا سوى حرّيتها الّتي تجاهلَ بسببها حقيقة أنّها أُعطيتْ لها مجّانًا!

الجزءُ الأوّل من الكتاب هو رسالة كتبتها ماتا هاري إلى مُحاميها؛ ولكنّك ستشعر أنّ هذا الجزء غير أصيل أو غير موثوق فيه تمامًا. في النّهايةِ الكتابُ عملٌ زائفٌ يضمُّ فلسفة الكاتب للحصول على قصّة عن أسطورةٍ تاريخيّةٍ؛ فمنذ الصّفحات الأولى هي المرأةُ المظلومةُ الّتي اغتُصبت في مدرستها، وتزوّجت شخصًا بغيضًا، ونامت مع نصف رجال البلدة. هي الّتي استُغلّت طويلًا وغُدِر بها وصارت كبش فداء إلى أن أُعدِمت في النّهاية.

رواية الجاسوسة مارتا هاري هي قصّة العاهرة الشّريفة!

#الجاسوسة ماتا هاري The Spy Mata Hari بوساطة: محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة وكتاب نقدي. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.