بين راحتين من ورق

مذكرات آنا غريغور ريفنا زوجة فيودور دستويفسكي

مذكرات آنا غريغور ريفنا زوجة فيودور دستويفسكي

مذكرات آنا غريغور ريفنا: بعد سنواتٍ من الاكتفاءِ بطباعةِ ونشرِ ما كتبهُ زوجها الرَّاحل، تُقرر آنا غريغوري سنيتكينا أن تكتبَ مذكّراتها، وتصفُ رحلةَ الحياةِ التي جمعتها بفيودور دستويفسكي (11 نوفمبر 18219 فبراير 1881) الأديب الرّوسي العظيم.

عندما التقتهُ آنا للمرّةِ الأُولى لم تكنْ تظن أنّ حبًّا سيجمعهما، فقد قَدِمَتْ إلى مكتبهِ لتعملَ لديهِ في تدوينِ أعمالهِ في أثناء روايته لها؛ ومع أنّها شعرتْ بانبهار بشخصيّته الصّادقة وعمق تجاربه الإنسانيّة؛ إلّا أنّ ربع قرنٍ يكبرها به اختصرَ انبهارها في حدودهِ المعتادة.

قبل أن يُنهي دستويفسكي تملية روايته على آنا، العام، كانَ قد اعترفَ بحبِّهِ لها، في مُحاولةٍ ناجحةٍ لحبِّ الحياةِ بعد وفاةِ زوجتهِ الأُولى وشقيقَه، وقَبِلَت آنا الزّواج به إنسانًا عظيمًا، دون الالتفاتِ إلى حظوظِ حياتهِ التّعيسةِ، وديونهِ المتراكمة.

لأنّه كانَ مسؤولًا عن أسرةِ شقيقةِ المتوفَّى، وابنه بالتَّبنِّي (بافل)، وعددٍ من أقاربه، لم يستطعِ الزّوجان السّفر إلى خارج البلاد إلّا برهنِ أثاثهما وهدايا زواجهما، لتبدأ رحلةٌ استمرّت أربع سنواتٍ لم يكن مخطّطًا لها!

غربته

سافرَ دستويفسكي برفقة آنا إلى عددٍ من البُلدان حول العالم، متتبّعًا الأعمال الفنيّة الخالدة، والكنائس المفعمة بالرّوحانيّة، والأطبّاء بوسائل علاجهم المختلفة، فقد عانى دويسفسكي طَوال حياته من الصَّرَعِ الّذي وَرَّثَهُ إلى أحد أطفاله، فتحوّلتْ وفاة الطِّفلِ إلى ألمٍ عميقٍ يسكنُ روحَه.

عاشَ آنا ودستويفسكي ألمَ الفقدِ مرّاتٍ عديدةٍ، فقد تُوفيّت طفلتهما الأُولى بعمر الثّلاثة الأشهر، ثمّ تُوفّي لهما طفلان آخران، فأصبحتْ آنا بقوّةِ روحها تَعُدّ سلامة طفلين آخرين أنجباهما نعمةً تُذكِّرُ نفسها وزوجها بها على الدّوام.

عندمَا يغرقُ دويستوفسكي في أحزانهِ، كانت آنا الّتي خَبُرتْ حبَّه للقِمار تسمحُ له بهِ؛ ومعَ علمها بحتمية خسارته كانت تخاف عليه سطوة الحزن، وتأمل في روح التّحدّي الّتي كانت تملؤه بعد كلّ خسارةٍ، فتدفعهُ إلى العودة إلى الكتابة لتعويض ما خسره.

كانت آنا رفيقة عُمْر دستويفسكي، والقارئة الأولى لأعماله، يختبرُ في ملامحها مدى براعته في الوصفِ، وقدرته على التّأثير، وكانت عصاه الّتي يتوكّأُ عليها عندما يهاجمه خصومه لأسبابٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ وأدبيّةٍ، وعندما ينقلب عليه نُقّادٌ دعموه في بداية مسيرته مثل بيلينسكي -المُتوفِّي سنة (1848) عن عمر (36)- الّذي فكانَ في تحوّلهِ تأثيرٌ مُؤلمٌ في دستويفسكي؛ إلّا أنّ ذلك لم يمنعه من البحثِ فيما قدّمه بيلينسكي من نقدٍ وفكرٍ، ونشرَ هذا البحث في مجلّتهِ «مذكّرات كاتب».

كانت المجلّات في ذلك الحين منبرًا مُهمًّا لنشر الأعمال الأدبيّة، ونقدِها، وَفق سياسة نشرٍ تميلُ إلى اعتناق أفكارٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ مُحدّدة، وكانت مجلة «البشير الرّوسي» هي المجلّة الأكثر توافقًا مع توجّهات دستويفسكي، فاختارها لنشر روائعه «الجريمة والعقاب»، و«الأبله»، وغيرها.

في عدد من المواضع في مذكّراتها، كانت آنا تُشيرُ إلى الشّخصيّاتِ والأحداثِ والمشاعرِ الّتي استلهمها دستويفسكي من حياته الواقعيّة، مثلما حدثَ في وصفه حزنَ زوجتهِ على موتِ طفلهما، ووصفه لشعورهِ وهو ينتظرُ تنفيذ حكم الإعدامِ بحقّهِ قبل أن يصدرَ عفوَ القيصرِ عنه.

(أُلقيَ القبض عليه عام (1849) لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي وهي مجموعةٌ أدبيّةٌ سريّةٌ تُناقِش الكتب الممنوعة الّتي تنتقدُ النّظامَ الحاكِمِ في روسيا وحُكِم عليه بالإعدام، ولكن خُفِفَ الحُكم في اللحظات الأخيرة من تنفيذه، فقضى 4 سنوات في الأعمال الشاقّة تلاها 6 سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في المنفى).

مذكرات آنا غريغور ريفنا زوجة فيودور دستويفسكي
رسم توضيحي تَخيُّلي لإعدام أعضاء مجموعة بيتراشيفسكي

تعثّره ومرضه

مع نجاح دستويفسكي وشهرته ظلّ طَوال حياته متعثّرًا بالدّيون والضّوائق الماديّة، متنقلًا بأسرتهِ من المدينةِ إلى الرّيفِ، ومن الرّيفِ إلى المدينةِ مرّةً أُخرى، برفقةِ زوجةٍ عرفتْ كيف تتقبّلُ شخصيّته بمحاسنها وعيوبها، وتنسابُ مع حياته في انسجامٍ بدا جليًّا خلفَ وصفها الهادئ لحياتها وزواجها؛ لذلك فإنّ هذه المذكّرات هي صورةٌ حيّةٌ ونابضةٌ لحياةِ الأديبِ الرُّوسي، بحُلوِها ومُرِّها، وأفراحها وأحزانها، من منظورِ شخصٍ عايشَ التّجربة، فكان هو الأقدرُ على حكايتها وتوثيقها.

غلبَ المرضُ دستويفسكي فماتَ بعدَ أيّامٍ من إلقائهِ كلمة بارعة في تأبين الشّاعر الرّوسي بوشكين -المتوفِّي سنة (1837) عن عمر (37). كلمةٌ وصفَ فيها روسيا كمصدرِ قوّةٍ وسلامٍ للعالم وللأطرافِ المختلفة داخلها، كانتْ كلمةً ساحرةً جعلت عددًا من أُدباء روسيا اللّامعين كتولستوي يختارونَ عدم حضور حفلٍ سَيُلقي فيه دستويفسكي كلمةً، فالكلماتُ هي لعبتهُ الّتي لا يجرؤ كثيرونَ على منافسته فيها.

الرّأي الشّخصي في المذكّرات:

في هذه المذكرات لمْ تسعَ آنا إلى دخول عالم الأدب، فلم تكنْ صياغتُها أدبيّةً عاليةَ المستوى، بل اكتفتْ بسردِ الأحداث كما عايشتها، مع مرورٍ متخفّفٍ على مشاعرها تجاه ما مرّوا به من مصائب مؤلمة، وما اعتادوا عليهِ منَ التّنقّلِ الدّائم، الّتي ربّما لو تعمّقتْ في وصفها لاستطاعتْ تقديم عملٍ أدبيٍّ مُفعمٍ بالحياةِ والعواطفِ الإنسانيّةِ.

معَ الصّدقِ الّذي اتّسمتْ به هذه المذكّرات؛ إلّا أنّها اتّخذت منحىً إيجابيًّا واضحًا؛ في حين اتّخذت المذكّرات الّتي كتبتها ابنة دستويفسكي، لوبوف دستويفسكي، منحىً سلبيًّا لتضمّنها مُغالطات واقعيّة، فلعلّ تقديمَ الحقيقةِ المجرّدةِ أمرٌ عصيُّ التّحقيقِ حتّى في أكثر الكتابات واقعيّة ومصداقيّة.

# مذكرات آنا غريغور ريفنا زوجة فيودور دستويفسكي By محمود قحطان.

اظهر المزيد

محمود قحطان

مُهندسٌ مِعماريٌّ وشاعرٌ. سُعوديّ المولدِ والنّشأةِ والمُقام، يمنيّ الأب ومصريّ الأم. مثّل اليَمن ضمن أفضل (200) شاعر في مسابقةِ أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعريّ في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وأصدرَ ثلاثة دواوين شعريّة وكتابًا نقديًّا. مؤمنٌ بالفكرِ الإبداعيّ وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock

اشترك في نشرة الموقع البريديّة وكُن على الجانب المُشرق من الحياةِ

كن متابعًا أوّلًا بأوّل. خطوةٌ يسيرةٌ وتكون ممّن يطّلعون على المقالِ في بداية ظهوره، اشترك الآن في القائمة البريديّة!

يهتمُّ الموقع بالآتي:

  • أساسيّات الشّعر وتقنياته، وعلمي العروض والقافية
  • أفكار ونصائح في الكتابةِ الإبداعيّة وقواعد النّحو والإملاء وعلامات التّرقيم
  • مقالات في العِمارة والأدب والحياة
  • تنمية بشريّة وتطوير الذّات والإنجاز الشّخصي
  • تدقيق لغوي وأخطاء شائعة
  • إعراب جزء عمّ، والبلاغة وعلومها
  • دروس فيديو في الريفيت والأتوكاد والوورد وغيرها
  • التّصميم المِعماري والبيئي والتّصميم الدّاخلي