بين راحتين من ورق

ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي

ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي
ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي

ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي

خالد بن طوبال رسّامٌ جزائريٌّ يُقيمُ في فرنسا، استبدلَ نجاحهِ في الرّسم بذراعهِ الّتي فقدها في الحربِ الّتي ظلّت دليلًا على ثباتهِ على مبادئهِ الّتي حاربَ لأجلها يومًا. خرجَ للحربِ بعدَ وفاةِ أمّهِ -الّتي كانت جنّةَ حياتهِ- وبعد زواجِ والده فورًا بأُخرى. والده الّذي لم يرعَ يومًا حقّ زوجتهِ وأبنائهِ عليه، وعُرِفَ بمغامراتهِ النّسائيّةِ الّتي لا تنتهي.

عندما نُقِلَ خالد طوبال إلى المستشفى بعد أنْ فقدَ ذراعَه، دلّهُ طبيبهُ على طريقِ شفائهِ من جراحهِ الدّاخليّة: الرّسمُ أو الكتابة؛ ومع أنّه كانَ يُحبّ الكتابةَ إلّا أنّه وقتئذٍ اختارَ الرّسمَ، وسارَ معهُ في طريقٍ جميلٍ لتُعيدهُ إلى الكتابةِ فتاةٌ جزائريّةٌ من قُسنطّينَة، مدينتهُ الّتي رسمَ جسورَها كلّما أمسكَ بفرشاتهِ. فتاةٌ لم تكُن سوى ابنةِ سي طاهر، قائدهُ في القتالِ الّذي أحبّ فيهِ صدقَه وشجاعَته. أرسلهُ إليها ليحملها رضيعةً بين يديهِ ويُبلّغَ أهلها بالاسم الّذي اختارَه والدُها لها. هذه الرّضيعة الّتي لم يكُن يعلم أنّها ستكونُ عذابه، وإلهامه المؤلم؛ ليكتبَ رواية!

التقاها في باريس، برفقة ابنةِ عمّها من سلك طريقًا يختلفُ عن طريقِ أخيهِ، فقدِ استفادَ من الأوضَاعِ بشتّى الطّرائق، ووصلَ إلى المكانةِ والمنصِبِ، وما زالَ نهمُهُ إلى المزيدِ مُستمرًّا، وهي الغاياتُ نفسها الّتي لأجلها زوّجَ ابنةَ أخيهِ كزوجةٍ ثانيةٍ إلى أحدِ الضّباطِ الكبار، الّذين لهم تاريخٌ مختلفٌ تمامًا عن تاريخِ والدها.

عندما التقاها أوّلَ مرةٍ رأى فيها والدتَه الحبيبة، فهي الجزائريّةُ القسنطينيّةُ الأصيلةُ ابنةُ سي طاهر الّتي استطاعتْ أنْ تجعلهُ يُجرّب لوعةَ الشّوقِ وشدّةَ الحبِّ وتمامَ التعلّقِ وهو في الخمسينَ من عمرهِ. كانت لهُ الأمُّ، والوطنُ، والذّكرى، والحبُّ، والكتابةُ، والشّفاءُ، والمستقَرُّ للرّوحِ التّائهةِ في فرنسا بعيدًا عن الوطنِ. وحدها استطاعتْ أنْ تُعيدَه إلى مدينتهِ: إلى قسنطينة؛ ولكن لموعدٍ مختلفٍ تمامًا عمّا تخيّله، موعدٍ لم يكن سوى زفافِها على شخصٍ آخر!

مع ما تحمّلهُ من نقاءٍ، وعمقٍ، ومبادئَ، كانتْ تقتربُ منهُ وتبتعد، وتَعِد ثمّ تنسى وعودها، وتفهمُ ثمّ تدعّي أنّها لمْ تفهمْ. قالتْ كلمةَ الحبِّ وسمعتها؛ ولكنّه في تقييمها كان حبًّا مَرَضيًّا قرّرتِ الشّفاء منه، وفي أثناءِ رحلة الشّفاء قتلته مرّاتٍ عديدة!

دخلَ مع الحبِّ عوالم الغيرةِ، والشّكِ، والتّنافسِ المحموم مع صديقهِ الفلسطيني: الشّاعر الجميل الّذي كان يجمعهما الاهتمام بالشّعر، الّذي كانتْ تتجاهلهُ في وجودهِ، وتميلُ إليه أو هكذا ظنّها. حتّى لوحاته المقرّبة إلى نفسهِ بدأت بالسّخريةِ منها، بتساؤلها عن جدوَى إعادة رسم الجسور الّتي لا دلالةَ لها؛ إلّا أنه لم يستطعْ أن يشفَى من قُسَنْطينَة، فقرّرتْ أن تشفيه منها على طريقتها.

ماتَ صديقهُ ولم تمتْ ظنونهُ عن قصّةِ حبٍّ جمعتهما بعيدًا عن عينيهِ، فكانت بذلك سببًا في أنْ تُقلقَ علاقته بأحبّ أصدقائه. قُصِمَ ظهره بموتِ أخيه، فمنذُ أنْ عادَ إلى قُسَنطِينَة لحضور زواجها، انتبه إلى أنّ أخاهُ الصّغير آخر من بقي له في الدّنيا. توثّقتْ علاقتهُ بهِ وبزوجتهِ وأبنائهِ، وبدأ يفهمُ فلسفتهُ في الحياةِ ويُعجبُ بها، ويتفهّم أحلامَه ويُساعدهُ على تحقيقها؛ ولكنّه ماتَ مُتعثّرًا بأحلامهِ اليسيرة دونَ أن يُحقّقها.

كانتْ تُخمّن لهُ نهايةً تُشبه زوربا اليوناني، الّذي كانَ يحفلُ بالخرابِ الجميل، وها هو قد وصلَ لذلك بعدَ أنْ فقدَ جميعَ أحبابهِ، وبعدَ أن اكتشفَ أنّه لم يُحب الجسورَ يومًا، تلك الّتي انتحرَ من فوقها جدّهُ قديمًا، وانتحرتْ فيها أحلامُه. أهدَى جميعَ لوحاتهِ إلى صديقةٍ قديمةٍ في فرنسا، وعادَ إلى قُسَنْطِينَة ليعيشَ ككلِّ العربِ، بلا غدٍ، ولا أحلام!

ذاكرة الجسد أحلام مستغانمي By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له 3 دواوين. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

اكتب إيميلك للاشتراك في قائمتنا البريديّة