بين راحتين من ورق

منسي الطيب صالح Tayeb Salih

منسي الطيب صالح Tayeb Salih
منسي الطيب صالح Tayeb Salih

منسي الطيب صالح Tayeb Salih

منسي إنسان عاش الدّنيا على طريقته، تَسمّى فيها بعدّةِ أسماء، وشغلَ فيها عدّة وظائف، وناظر فيها كبار المفكّرين حول موضوعاتٍ لا يعلمُ عنها كثيرًا وتغلّب عليهم، أتقنَ الإنجليزيّة ودرّسها في بلادها، وحصلَ على شهاداتٍ عدّة، وقَصرٍ مُنيف، وشركةٍ سياحيّةٍ، وأبناء نصارى ومُسلمين، وزارَ بلدانَ العالمِ ومدنهِ سياحةً وتجارةً ورِفقةً مع أصدقائه الّذين كان منهم: الطيب صالح.

حين كان الطيب صالح يعملُ في هيئةِ الإذاعةِ البريطانيّة B.B.C كان منسي يعملُ فيها أيضًا، موظّفًا وأحيانًا مُمثّلًا في المسلسلاتِ الإذاعيّة، وحينَ عملَ الطيب صالح مُستشار وَزارة الإعلام القطريّة كان منسي يُرافقه في رحلاتهِ الرّسمّية إلى الدّولِ المُختلفة. ربّما احتاجَ الطيب صالح إلى سياّرتهِ الرّسميّةِ وسائقها فلا يجدها! لأنّ منسي قد خرجَ بها إلى السّوق مثلًا لعقدِ صفقاتٍ تجاريّة. ينتجُ عن هذه الصّفقات أحيانًا أن يُفاجَأ الطيب صالح في المطار بصناديق ضخمةٍ من الملبوساتِ تُضافُ إلى جماركهِ؛ في حين أنّه لا يعلمُ عنها شيئًا!

تزوّجَ منسي من سيّدةٍ بريطانيّةٍ من أُسرةٍ عريقةٍ، كانت فنّانة مُبدعة معَ أنّها لا تحفل كثيرًا ببهرجةِ الوسط الفنّيّ وعلاقاته. ربّةُ منزلٍ فاضلة تهتمُّ بمنزلها وأبنائها وتُعطي كثيرًا من المساحةِ لزوجها، فهو يتحرّكُ في الحياة بحرّيّتهِ، ويعود قليلًا كضيفٍ ثمّ يرحل، وحتّى حين تُوفّي كان أبناؤهُ من زوجتهِ هذهِ يُرتّبونَ لإجراءاتِ دفنٍ على الطّريقةِ المسيحيّةِ لأنّهم لم يكونوا يعلمونَ أنّ والدهم قد أسلَم!

أسلمَ مايكل بشطاوروس (منسي) وحسُنَ إسلامه، وأنشأ إذاعةً أمريكيّةً للدّعوةِ إلى الإسلام، وتزوّجَ من مسلمةٍ وأنجبَ منها في محطّةٍ أُخرى من محطّاتِ حياتهِ: المملكةُ العربيّة السّعوديّة الّتي أصبحَ له فيها بيتٌ وعملٌ وثروةٌ، بعد أن كانت محطّات حياتهِ السّابقة في بريطانيا وهيئة إذاعتها، وأمريكا الّتي وصلها من طريق رحلة للعاملين أجرتها هيئة الإذاعة البريطانيّة إلى نيويورك، فلمّا انتهت الرّحلة لم يجدوا منسي الّذي كانَ قد دخلَ إلى البلادِ ليبدأ حياةَ أعمالٍ جديدة، انتهت بامتلاكهِ لقصرٍ، وشركةٍ سياحيّةٍ، ومطعمٍ، وأسطولٍ من الجيادِ الأصيلةِ، والسّياراتِ المُتنوّعة.

لم يكن المال هو ما يرمي إليه منسي ويستهدفهُ في الحياةِ، كان ما يرمي إليه أن يعيشَ حياةً ثريّةً مُتنوّعة، مليئة بالضّحك والارتجال والتّجربة والصّداقة، حياة لم يخشَ فيها شيئًا ولم يندم فيها يومًا على شيءٍ قالهُ أو فعله، فالحياة في نظرهِ (شغل حلبسّة).

كان يقتحمُ النّدواتِ المُغلقةِ، والاحتفالاتِ الخاصّة، والأحداثِ الرّسميّةِ، فهو -كما يقولُ عنه الطيب صالح– يرى نفسه مدعوًّا إلى أيّ احتفالٍ في الحياةِ أيًّا كان، حتى لو كان القصرُ الملكي البريطانيّ! فقد حدثَ أن دخلهُ في احتفالٍ رسميّ مُدّعيًّا صفةً رسميّةً ليست لهُ، ولم يكتفِ بذلك بل أطالَ الحديثَ مع الملكةِ وسألها عن أساليبَ تربيتِها أبنائها، وما إذا كانت تشعرُ بالمللِ من السّلامِ على كلّ هذا العددِ من النّاس! وكادت هذه الحادثة أن تكون سببًا في إبعادهِ عن المملكةِ المُتّحدة.

حظيَ بعددٍ من الأصدقاء الّذين أحبّوهُ وألفوهُ واستطاعوا أن يفهموا شخصيّته الجريئة والنّشطة الّتي تكاد تجدُها في كلّ مكانٍ، ففي أحدِ مجالسِ القاهرةِ كان الحديثُ يجمعُ الطيب صالح مع بعضِ الأصدقاءِ المصريّين الأفاضل، من مجالاتِ الإعلام والفنّ والفكرِ فجاء الحديث على ذكر منسي، وما هي إلّا لحظات وكان منسي يدقُّ البابَ عليهم قادمًا لزيارةِ القاهرة، دخلَ كأنّه يُواصل حديثًا بدأهُ معهم البارحة، دونَ أن ينتبهَ لدهشتهم من وجودهِ المُفاجئ! فكلّ بلاد الله بلادهُ وأرضه.

كان يُعدّ مع الطّيب ثُنائيًّا غريبًا، قبلَ كلّ منهم دوره فيه طواعية، فهو الذّكي القادرُ على اللّعبِ بالبيضةِ والحجرِ، والطّيب هو الّذي يقعُ في المآزقِ بسببِ ما يفعله به منسي، وفي الأحاديثِ يأخذُ منسي دور البطلِ مستعينًا بالطيب بين الحينِ والآخر؛ ليؤكّد حديثه أو ليعطيه طرفَ الخيطِ الّذي يُكمِلُ منه هو، وفي المطاعمِ واللّقاءاتِ الاجتماعيّةِ يدعوا منسي أصدقاءَه ثمّ يُرسلُ الفاتورةَ إلى غرفةِ الطيب الّذي يدفعُها وهو يضحك؛ في حين يضحكُ الأوّلُ على طيبتهِ، دونَ أن يكونَ لمنسي أيّ دوافع أنانيّة أو اتّصاف بالبخلِ هو –فحسب- شخصٌ يُحبّ أن يضحكَ وهو يصنعُ مواقفَ تُثبتُ مهاراته الحياتيّة في الأخذِ، وسخاء من حولهِ في العطاء.

ألِفَ أصدقاءَه وألفوه، وألِفَ الحياةَ وألفتهُ، وضحِكتْ معه مثلما يضحكُ، ولم تجدْ حيلةً في أن تُحزنهُ بأحداثها، هو الّذي كان يحزنُ بطريقتهِ الخاصّةِ دون أن يقول: أنا حزين، ودونَ أن يُصاحب ذلك أيّ مظهرٍ أو إحساسٍ آخر، ثمّ ما هي إلّا لحظات ويُشرق وجهه ببسمةٍ طفوليّةٍ ساحرةٍ، كانت تجعلُ كلّ من رآه وعرفه يشعرُ بالارتياحِ تجاهه؛ مع أنّ تصرّفاتهِ غريبةٌ أحيانًا، فنقاءُ قلبهِ وطريقتهُ الفريدةُ في الحياةِ جعلته شخصًا لا يُنسى في حياةِ كلّ من عرفهُ، وأوّلهم صديقه الأديب السّوداني الطيب اسمًا، وفعلًا: الطيب صالح.

#منسي الطيب صالح Tayeb Salih بوساطة محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة وكتاب نقدي. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.