بين راحتين من ورق

العطر الفرنسي أمير تاج السر French Perfume

العطر الفرنسي أمير تاج السر French Perfume
العطر الفرنسي أمير تاج السر French Perfume

العطر الفرنسي أمير تاج السر

يسمعُ (علي جرجار) مِنَ المسؤول الحكومي (مبروك) أنّ فرنسيّةً ستحلّ ضيفةً على حيّهم (حيّ غائب) الغائب بمكانه وأهله! الّذي يُحرّكه الجهل ويقتلهُ الفقر ويقوده الإهمال؛ لأجل دراسةٍ عالميّة، وأنّ عليه أنْ يُبلّغ أهالي الحيّ أن يعيشوا على طبيعتِهم في أثناءِ مُدّة إقامتِها بينهم.

انتشرَ الخبرُ بين أهالي الحيّ فانفجرَت أحلامهم! أعدّوا لافتاتٍ جديدةٍ لأسماء المحلّات تحملُ جميعها اسم الفرنسيّة (كاتيا كادويلي)، ورُمّمِت البيوت وزُيتّت وصلات أبوابها تخلّيًا عن المُقاومة والذّات الّتي كان أزيزها دلالة على المقاومة والانزعاج من المُقاومة، وطلبَ (ميخا ميخائيل) السّتيني القبطيّ بإلحاحٍ من (علي جرجار) أنْ يُعرّفهُ إلى الفرنسيّةِ عند قدومها لتكون له بابًا للهجرةِ إلى فرنسا لتعليم العزف على الأورج، فقد تغيّرت الحياةُ كثيرًا منذُ أنْ رفضَ الهجرةَ مع أسرتهِ إلى أستراليا، فذكرياته الّتي بقيَ لأجلها فقدها واحدةً تلو الأُخرى، ويريدُ الآن مخرجًا ستُتيحهُ (كاتيا) بالتّأكيد.

كُوِّنت لجنة من ستّة أفراد من أميز سكّان الحيّ لاستقبالِ (كاتيا) ضمّت: (حكيم النّبوي) رئيس اللّجنة ومدرس التّاريخ وناقل أخبار الحيّ ومُرّوج إشاعاته وزعيمهُ الّذي تُوفّي قبل أن يراها تاركًا قصيدةَ ترحيبٍ مكتوبة لأجلها، و(حليمة المُرضعة) قارئة الكفّ والمصائر الّتي جدّدتْ أثاثَ غرفةِ الإيجارِ في منزلها لتُقيم فيها (كاتيا)، و(منعم شمعة) التّاجر المسافر دائمًا أو القادم من سفر، و(أيمن داوود) طالب الثّانويّة وخبير التّكنولوجيا المبحر الدّائم في عوالم الإنترنت الّذي فرز كلّ الشّهيرات اللّاتي يحملنَ اسم (كاتيا كادويلي) لتحديد أيّهنّ من ستزور الحيّ، وعرفَ أنّ لونها المفضّل هو الأزرق، مع المُتلصّص الدّائم (موسى خاطر الأمنجي) مُخبر تقارير الحيّ الّذي لا تفوته شاردةٌ ولا واردة. إضافةً إلى (علي جرجار) نفسه.

تأخّرت (كاتيا)، وأصبحَ موعدُ قدومها دائمَ التّأجيل ثمّ مجهولًا بعد تغيّر المسؤول الأوّل عن منصبه وتولّي آخر مكانه، لم يُطقْ (علي جرجار) الصّبر أكثر، فقرّر أن يُساعدَ (ميخا) القبطيّ -الّذي أصبح عبئًا ثقيلًا على كاهلهِ- من طريق الذّهاب به إلى الجامع في يوم الجُمعة ليُعلن إسلامه! فتتغيّر أحوالَه ويستطيع (عركي) صاحب دكّان الحيّ أن يجمعَ لهُ معونةً من الجمعيّات الإسلاميّة الخليجيّة الّتي كانَ يتعاملُ معها حين يُخبرهم عن شخصٍ أسلمَ حديثًا، وبمجرّد أن أسلّم (ميخا) القبطي ذُكِّرَ بحدّ الرّدة، وأُلزِمَ بتأدية الواجبات الإسلاميّة الّتي لم يفعلها في طفولته، وذُكِّرَ بوجوب صيام رمضان؛ في حين لم يحصلْ على أيّ معونةٍ من المصلّين في الجامع ذلك اليوم ولا منَ الجمعيّاتِ الخيريّةِ بعد ذلك، وبعد تراكم إحباطه وقع (ميخا) ضحيّةً لطقوس الخرافة والدّجل بحثًا عن مخرجٍ جديدٍ لم يحصلْ له أيضًا، إلى أن تركَ الحيّ دونَ أن يعلمَ النّاسُ إن كان حيًّا أم ميّتًا بعد رحيله.

لم يكتفِ (علي جرجار) بتغيير طلاء منزله باللّون الأزرق، بل حوّل صورة (كاتيا) الّتي طبعها من الإنترنت إلى عددٍ من النّسخ في جميع الأوضاع ومراحل زواجهما وحالاتها الحياتيّة، علّقها في البيتِ كلّه، و قرّر أن يتزوّجَ (كاتيا) قبل قدومها! احتفلَ وحدهُ بها، ثمّ أصبح يخرجُ إلى الحيّ مُتخيّلًا نفسه برفقتها، صُدِمَ النّاسُ أوّل الأمرِ، ثمّ أصبحُوا يجارونه في وهمهِ ويُسلّمون عليهِ وعلى (كاتيا) الّتي معه! إلى أن وصلَ إلى حدّ الغيرةِ الشّديدةِ عليها وتدفعه لى الشّجار مع الآخرين؛ لأنّهم -حسب زعمهِ- نظروا إليها، وفي نهايةِ مسيرتهِ حملَ السّكينَ والعصَا في وجهِ من تخيّل أنّهُ تعمّد تجاوز الحدّ في الاقترابِ منها، فشجّ رأسَ أحدهم وجرحَ آخرين، قبل أن يعودَ إلى البيتِ ويغرسَ سكّينهُ في (كاتيا) الّتي تحملُ طفلهُ في أحشائها!

كما ذهبت أحلام سُكّان الحيّ ولم تعد، ذهبَت ذاكرتهُ الّتي كانت كأرشيفٍ يضمّ ذكريات سكّان الحيّ بتفاصيلهِ المُهمّة والتّافهة، سقطَ أسرع من الآخرين ما يُشيرُ إلى أنّهُ كان أكثرهم يأسًا وإحباطًا ورغبةً في الخروجِ من حيّهِ الغائب عن الحياة، جُنَّ بفضلِ اندفاعه وتمسّكه واعتناقه الحُلم الأوروبّي، حلم الفرص والنّجاح وجمال الغرب الأشقر! وحينَ كانتْ سيّارةُ مُستشفى الأمراض العقليّة تذهبُ به بعيدًا، رأى (كاتيا) الفرنسيّة تنزلُ من عربةٍ رسميّةٍ، وترتدي فستانًا أزرق، وتدخلُ -مُتأخّرةً- إلى حيٍّ انتظرها طويلًا.

# العطر الفرنسي أمير تاج السر By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له 3 دواوين. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.

شارك في نشرة الموقع البريديّة