بين راحتين من ورق

واحة الغروب بهاء طاهر

واحة الغروب بهاء طاهر
واحة الغروب بهاء طاهر

واحة الغروب بهاء طاهر

تبدأُ رواية واحة الغروب باستعداد محمود للسّفر إلى واحة سيوة الّتي عُيّن مأمور لها بعد قتل أهالي الواحة المأمور السّابق؛ وعلى الرّغم من تحفّظه، أصّرت زوجته الإيرلنديّة كاثرين على مُرافقته إلى هناك؛ لأنّ واحة الغروب تُعَدُّ منجمًا أثريًّا، ولديها فضولٌ كبيرٌ لدراستها.

يُزوّده رئيسهُ بمعلوماتِ حول أهالي واحة الغروب، ويُعطيه نصائح -لم ترقْ لهُ كثيرًا- حول التّعامل معهم، فأهالي الواحة ينقسمونَ إلى: شرقيّين وغربيّين، ويتقاسمونَ الزّعامة والمكانة ويُسمّون الأجواد، وتثورُ بينهم الحروب حينًا ثمّ يعودون للتّحالف حينًا أخر. أمّا الزّجالة فهم: فئةٌ يُمنَعونَ من الزّواجِ ومن دخول أسوار الواحة بعد الغروبِ، ويؤدّون مهام فلاحة الأرض والحراسة.

موضوع مُميّز: الجاسوسة ماتا هاري

يصلُ وكاثرين إلى هناك فتبدأ في إجراءِ جولاتٍ على المَعابدِ والآثار؛ الأمر الّذي لم يُقابل بترحيبٍ من أهالي المنطقةِ الّذين لم يقبلوا أن تمرّ بيوتهم وتقابل نساءَهم لأنّها كافرة وسافرة، إلّا واحدةً اسمُها مليكة، خرقتِ الحظرَ بسلامِها عليها، وتعريفها بنفسها قبل أن تختفي فجأةً كما ظهرتْ خوفًا من أهل واحتِها، إضافةً إلى ذلك يعتقد أهالي الواحة أنّ لديهم كنزًا مدفونًا ربّما تُحاول كاثرين الظّفر به.

كان أمرُ الضّرائبِ الّتي يضطرُّ أهالي الواحة دفعها إلى الحكومة أمرًا ذا أهميّةٍ تُعقَدُ لأجلهِ مجالس رفيعة المُستوى تضمّ مُمثّلين من جميع الفئاتِ، تمامًا كتلك الّتي تُجرَى عند مناقشةِ أمر الحرب، وإن كانت جميع النّفوسِ في هذه المجالس صافية لبعضها بعضًا وتُظهر رأيها ولا تبطنه؛ فالشّيخ صابر ليس كذلك، فهو أحدُ زعماءِ الشّرقيّين، امتلأ قلبهُ بالألمِ والحقدِ بسببِ قتل الغربيّين زعماءَ من الشّرقيّين في زمانٍ سالفٍ، كان من بينهم والده، فأصبحَ يُظهر غير ما يُبطن، ويُقدّم آراءً يُريد منها أن تشتعلَ الحروبُ ولو قَتلَ كلّ أهل الواحةِ بعضهم بعضًا، فالحقدُ قد أعمَى عينيهِ عن أيّ شيءٍ سوى الانتقام.

بدأتْ علاقةُ المأمورِ الجديد بأهالي الواحة بحذرٍ، يلتقيهم في صلاةِ الجُمعة من كلِّ أسبوعٍ، ويُسلّم عليهم، ثم ينصرف. ساعدهُ في ذلكَ أنّ وقتَ جمعِ الضّرائبِ لم يَحِنْ بَعدْ، فلم تكن هناك أسبابٌ للمُواجهة، وحدثَ أنْ كان المأمورُ مع زوجتهِ تَدرسُ الكتاباتِ على جدرانِ أحدِ المعابدِ فسقطَ حجرٌ من المعبدِ كادَ أنْ يقتلَ أحدَ أبناءِ الواحةِ لولا أنّ مُساعد المأمور إبراهيم فداه بنفسه فسقطَ الحجرُ على رجلهِ وأُصيب إصابةً بالغةً كادت أن تفقدهُ إيّاها؛ إلّا أنّ أهلَ الواحةِ ساعدوه على عِلاجها تقديرًا لهُ لإنقاذهِ ولدهم، فاستطاع المشيء مُجدّدًا إنّما بعرجٍ دائم.

يصيبُ علاقةِ المأمورِ وزوجته كاثرين الفتورُ، وتشغَلها دراسةُ الآثارِ وتتبّعها، إلى أن تزورها في البيتِ مرّةً أُخرى مليكة؛ وذلك من أجل أنْ تُساعدها على الخروجِ من الواحةِ ربّما، وفي لحظةِ عناقٍ بينهما، تملّكت كاثرين مشاعر جنسيّة شاذّة تجاه مليكة، فخافتْ من نفسها ودفعتْ مليكة عنها بقوّةٍ، ليأتي زوجها فيحميها بضربِ مليكة وإبعادها، حتّى خرجتْ مِنَ البيتِ مُسرعة دونَ عباءَتها. هذا الأمرُ كارثةٌ حقيقيّة؛ لأنّ مليكة أرملة في فترةِ العِدّةِ، وكان لدى أهلُ الواحةِ اعتقادٌ بأنّهُ لو خرجتِ الأرملةُ قبلَ انتهاءِ عدّتها فإنّها تُصيبُ البلادَ بالخرابِ والموتِ وهلاكِ الزرع، كانت تُسمّى حينئذٍ: الغولة.

كانتْ هذه الحادثة سببًا في سوءِ العلاقة بين المأمورِ وأهالي الواحةِ، فهو يَرى أنّ زوجته قَد عُرِّضَت لهجومٍ من إحدى بناتهم، ويرى أهالي الواحة أنّهُ بطردها تسبّب في خروجها من بيتهم مكشوفة الرّأس والوجهِ، ولولا ذلك ما عرفها النّاس، ولكان لديها فرصة أنْ تعيشَ لعدم علم أحدٍ بخروجها.

بدأت المناقشات بين كبار القبيلتين حولَ ما يجبُ فعلهُ بمليكة، وكان الإجماع على أنْ تُقتلَ لتزول معها لعنة الموت الّتي تتلبّسُ الأرملةَ في عُرفِهم، ولم يفلح خالها يحي الّذي يُحبّها حبًّا عظيمًا في إقناعهم بالعدولِ عن ذلك.

قبلَ أنْ يتمّ ذلك، دخلتْ عليها والدُتها ثمّ خرجتْ وهي تصرخُ بأنّ ابنتها قد قتلتْ نفسها، الأمرُ الّذي لم يُصدّقه الخال؛ بعدئذٍ اعتزلَ النّاس ليعيشَ ما تبقّى من حياتهِ في غرفةٍ في حديقتهِ البعيدة.

أرسلَ المأمورُ الغاضبُ لزعماء الواحةِ بأمرِ تسليم الضّرائب كاملة، وأن يُبلّغ عن أيّ أسرةٍ تتأخّر عن الدّفع؛ ومع شدّتهِ في التّعاملِ معهم إلّا أنّ حزنًا وإحساسًا بالذّنب يتملكانهِ لما حدث لمليكة، وهو الّذي طوال حياته يُطوّقهُ الشّعور بالذّنب، فبعد ثورة عرابي استُجوبَ إثر شكوى كيديّة حُرّرتْ في حقّهِ تتّهمهُ فيها بأنّه يُناصر الثّورة ويُحرّض عليها، شكوى أكّدها صديقه الحميم طلعت، الّذي باعَ القضيةَ وباعَ صداقتهُ لأجل مصالحهِ، فاضطرّ ليُحافظ على حياتهِ وعملهِ أنْ يُنفي أنّهُ قد قالَ شيئًا يُحرّض على الثّورةِ، وأنّهُ لا يُوافق على ما يفعلهُ هؤلاء، كلماتٌ لم يُسامحْ نفسهُ عليها طوال حياتهِ.

تجاوزتْ زوجتهُ الأمرَ سريعًا وعادتْ إلى دراسةِ الآثارِ، فقدْ كانتْ تبحثُ عن أيّ دليلٍ على أنّ الاسكندر الأكبر مدفونٌ في الواحةِ بعد أنْ نُقِلَ جثمانه من الاسكندرية.

عُرِّضَ المأمورُ ومن معهُ لهجومٍ من رجالِ الواحةِ (الزّجالة)، لم يُنقذهم منه سوى قذيفةِ من المدفع الموجود على سطحِ مركزهم، فتفرّقَ المهاجمونَ، وأصبحَ المأمورُ ومعاونيه في أهبّة الاستعداد لهجومٍ قد يتكرّر، وطلبوا مددًا من الجنودِ والذّخائر من رئاستهم.

عندما وصلَ المددُ كانت معهم فيونا أخت كاثرين الّتي تُعاني من حالةٍ صحيّةٍ سيّئة، فنصحها الأطباءُ بقضاءِ الوقتِ في مناطقَ حارّةٍ، فَقَدِمَتْ إلى أختها في الواحةِ، الأمرُ الّذي أربكَ المأمور، فقد كانَ ينوي إعادة زوجتهِ لخوفهِ من تكرار هجوم أهالي الواحة؛ ولأنّها تخرجُ دون حراسة مع أنّهُ حذّرها من ذلك كثيرًا.

أصبحَ المأمورُ مُتوتّرًا ليس نتيجةً للخوفِ فحسب، وإنّما نتيجةً لمشاعرَ أصبحَ يشعرُ بها تجاه أخت زوجته فيونا؛ ومع إنكاره لذلك بينهُ وبينَ نفسهِ إلّا أنّ زوجتهُ لاحظتِ الأمرَ، ونَوَتْ حينَ تُشفى أختها وتنتهي إقامتهم في الواحة ستتطلّق منه، ولا يهمّها إن تزوّج أختها بعدئذٍ، فلم يعدْ بينها وبينَ زوجها أيّ مشاعرَ أو رغبةٍ في استمرارِ الزّواج خاصّة بعد موت مليكة.

تسوءُ حالة فيونا ويستمرُّ سُعالها، فيقصدون رجلًا وُصف لهم يقيم في حديقةٍ بعيدةٍ طلبًا للعِلاجِ، وهو الخال يحي، وبعدَ أن رفضَ استقبالهم وعلاجها لما كانَ منهم مع ابنة أختهِ، أرسلَ إليهم بعدَ حينٍ بالأدويةِ، إلّا أنّهُ أخبرَ المأمورَ أنّ حالتها مُتأخّرة ولا علاج لها، ولم يتبقّ لها في الحياة الكثير، وحذّرَ المأمورَ من مُؤامرةٍ تُحاكُ لمهاجمته، حيثُ يتعاون الشّخص الّذي أُرسِلَ إليهِ (صفوت) على رأسِ المدَدِ مع زُعماء الواحةِ للتّخلّص من المأمورِ فيحلّ محلّه.

يتواصلُ سُعال فيونا المؤلم طوال اللّيل، ويبدأُ لونها بالتّحولِ إلى الأزرق؛ في حين تُواصل أختها العكوف على دراسةِ آثارها، سعيدةً بأنّها وجَدتْ في نقوشِ المعبدِ أدعيةً تُعَدُّ دليلًا على صحّةِ افتراضها بنقل جثّة الاسكندر الأكبر إلى الواحةِ، ثمّ تزولُ سعادتها وهي تحملُ أختها بين يديها ويسألُها المأمور بارتباكٍ إنْ كانت قد ماتتْ!

تنتهي واحة الغروب بأن تضيقُ الحياةُ بالمأمورِ، حياةٌ لم تستطعْ أن تصلَ إلى علاج فيونا، يتوجّه إلى المعبدِ ويُفجّرهُ (بالدَيناميت) أملًا في أنْ يتوقّف النّاسُ عنِ النّظرِ إلى ماضيهم، ويهتمّوا بحاضرهم ومُستقبلهم، أنْ يفيقَ الأحفادُ بدلًا من أنْ يتغنّوا بمجدِ الأجداد!

# واحة الغروب بهاء طاهر  By محمود قحطان،

نُبذة من سيرة الكاتب

محمود قحطان

مِعماري وشاعر مثّل اليَمن ضمن 200 شاعر في مسابقة أمير الشّعراء في دورتها الأولى. نُشر عددٌ من إنتاجه الشّعري في الصّحفِ المحليّة والعربيّة، وصدر له ثلاثة دواوين شعريّة وكتاب نقدي. مؤمن بالفكر الإبداعي وأنّ كلّ ذي عاهةٍ جبّار.